الشروق العربي
"جميلة بوباشة" في حوار حصري لـ"الشروق العربي"

بعض الشهادات زيفت التاريخ ولهذه الأسباب أضربت عن الطعام!

الشروق أونلاين
  • 2589
  • 0

فتحت السيدة السبعينية باب منزلها بدالي ابراهيم لـ”مجلة الشروق العربي” بابتسامتها البريئة وبخطواتها الثابتة، واحتفت بنا على طريقتها تاريخا وذاكرة. استقبلتنا صورتها التي وثقها أشهر رسام في العالم “بابلو بيكاسو” والكثير من الوثائق التاريخية التي توثق للثورة والبطولة والأمجاد. كل تلك البساطة والهدوء اللذان تفرضهما عليك السيدة المجاهدة الأم والجدة جميلة بوباشة، يجعلك تنبهر وتفخر بسيدة أصبحت رمزا وأسطورة في كتب “سيمون دو بوفوار”، و”جيزيل حليمي” – محاميتها- وقبل أن تدخل السينما من بابها الواسع. لست أدري كيف انتزعت منها هذا التسجيل انتزاعا وهي الزاهدة التي طلقت كل شيء بعد أن اكتفت بتاج الجهاد والفداء ينير دربها. ابنة الحركة الوطنية وابنة العائلة الثورية الجملية في كل الأوقات، فتحت قلبها وقلبت صفحات جهادها، بداية بانتسابها للحركة الوطنية، وظروف اعتقالها، عن رفضها لمناصب كثيرة والظهور في عديد المناسبات، إضرابها عن الطعام في عام 1989، موقفها من كتابة المذكرات وأمور اخرى في هذا الحوار الحصري.

*ولدت جميلة الجزائر بسانت أوجان (بولوغين) ذات 9 فبراير 1938، انتقلت مع عائلتها إلى دالي إبراهيم، بعدها انتسبت لمدرسة بيجي Pigier بساحة أودان Audin. من أسرة ثورية، فوالدها “عبد العزيز بوباشا” كان ناشطا في صفوف حزب الشعب الجزائري، كما كل عائلتها. وتتذكر سيدة الهدوء والرزانة أياما من الطفولة بقولها، عندما كنا صغارا كنا نردد نشيد ”فداء الجزائر” وكان أولياؤنا يحذروننا من أدائه علانية أمام المستعمر، وكانوا يحرصون على غرس قيم الوطنية والروح النضالية فينا، لذلك نهضنا متشبعين يسكننا وطن. انضمت سنة 1953 لحزب البيان الجزائري بزعامة فرحات عباس، كما انضمت إلى صفوف الكشافة. كان دورها نقل الأدوية والوثائق إلى الثوار، وإيواء المناضلين المطاردين من طرف القوات الاستعمارية الفرنسية، فضلا عن مشاركتها في عديد العمليات الفدائية. وباندلاع الثورة كثفت من نشاطها قائلة، شاركت في بعض العمليات الفدائية وكان لي الشرف في وضع القنبلة التي انفجرت في مقهى الجامعة في سبتمبر 1959. 

“جيزيل حليمي” ُمنعت أن ترافع لأجلي

*تعود سيدة التاريخ والذاكرة زوجة المجاهد عمي “عمر خالي” إلى ظروف اعتقالها وعائلتها أول مرة سنة 1957، عندما ألقي القبض على شقيقها جمال في معركة ناحية بئر خادم، موضحة، “أوقفوني رفقة والدي وشقيقتي نفيسة وعمي الذي كان ضيفا في بيتنا، وقد تم الإلحاح على توقيفي شخصيا بناء على معلومات حول نشاطي الثوري، لكن شقيقي عندما تم استنطاقه وسؤاله عني، نفى أن تكون لي أي علاقة بالثورة، خوفا من أن اعترف تحت وقع التعذيب، لأنني كنت أعرف الكثير من الأشياء والأسرار عن الثورة .. قال لهم، إن نفيسة هي التي تساعدني، وقد تعرضت للاستنطاق والتعذيب قبل أن يطلق سراحنا.. بعدها اعتقلت مرة ثانية في سنة 1960، سجنت بداية في حي الأبيار، وتعرضت لشتى أنواع التعذيب الذي لا يمكن أن تخطر على بال لمدة 33 يوما متواصلة، وقد نقلوني إلى ثكنة جيني بحسين داي قبل أن يعيدوني إلى الأبيار ومنه حولوني إلى سجن سركاجي، وعندما حضرت محاميتي “جيزيل حليمي”، من أجل المرافعة منحوها ترخيص إقامة ينتهي عشية المحاكمة، قبل أن تتعرض للطرد وأراد المستعمر أن يعين لي محام من طرفه فرفضت، وبقيت في السجن إلى غاية الاستقلال”.

أضربت عن الطعام في عهد الشاذلي لأن الأسرة الثورية حادت عن الطريق

*هي الزاهدة في الدنيا، فرغم ما عرضه عليها الرئيس السابق “أحمد بن بلة” من مناصب هي وزوجها، إلا أنها رفضت وأبت أن تنال جزاء أو شكورا وهي التي اختارت البساطة نهجا لحياتها بقولها، “أقول لك صراحة أنا جاهدت في سبيل الله، ولم أكن أنتظر أي شيء من أي أحد، لم تغرني يوما المناصب والمكاسب والمسؤوليات، لأنني أؤمن أن واجبنا كمجاهدين ومجاهدات هو تحرير الوطن، لذلك يكفينا شرف الجهاد وتحرير البلاد، وعلى الأجيال المتعلمة والكفاءات الشبانية إتمام رسالة المجاهدين والشهداء، وتحقيق حلمهم في بناء دولة حرة مستقلة متطورة يتساوى فيها كل أبناء الجزائر”، مردفة، “أنا أكملت رسالتي حتى بعد الاستقلال، فخلال فترة حكم الرئيس “الشاذلي بن جديد” كنت أدعو دائما لمنح الفرصة للشباب، وقد دخلت لأجل ذلك في إضراب عن الطعام لمدة تسعة أيام سنة 1989 ، وكنت أقول بأن من قاموا بالثورة عليهم مرافقة الجيل الشاب لإرشاده إلى الطريق الصحيح، إلى أن يتمكنوا من استلام المشعل، وأنا اعتقد بأن الكثير من المسؤولين من أفراد الأسرة الثورية لم يحققوا أهداف الشعب، منها توزيع الثروات والمناصب بالتساوي، وقد قمت بالإضراب احتجاجا على بعض الأشخاص، وعلى السياسة التي كانت منتهجة، من بينها الترخيص بتوزيع الأراضي الفلاحية، التي استفادت منها مجموعة عن طريق الرشوة”. 

تراشقات “الخاوة” لا تناسب الثورة

*حول اللغط الحاصل مؤخرا والتراشقات الكلامية بين المجاهدين، تأسفت “بوباشة” بقولها “هذا لا يناسب الثورة ولا يخدمها، إن كانت ثمة مشاكل بينهم ينبغي معالجتها في إطار ضيق، دون أن تخرج إلى العلن ويسمع بها كل العالم ، خاصة أنهم محسوبون على الثورة”.


أما بخصوص من يطرحون مذكرات توثق للثورة، فترى محدثتي، “أنا أرى أن من كتبوا الثورة في البداية كتبوا حقائق وقعت فعلا، لكن هناك من حاولوا فيما بعد أن يظهروا أنفسهم أبطالا من خلال تزيين أفعالهم، كل واحد يريد إظهار نفسه، وما يحز في نفسي أن بعض الشهادات زيفت الأحداث، إلى درجة أن وقائع تاريخية قامت بها أسماء معينة ماتزال على قيد الحياة، كوضع القنابل على سبيل المثال، لكن للأسف هناك من نسب لنفسه تلك الأفعال، هذا كذب وتزوير، وهو غير مناسب ولا يليق بالثورة”.

مقالات ذات صلة