بكالوريا العصر الحجري
من غرائب ما حدث في بكالوريا الجزائر 2016، التي أبكت قرابة نصف مليون طالب وأسعدت أقل منهم عددا، أن المشكلة التي هزّت الجزائر، وزلزلت هذا الامتحان المحترم جدا، وشيبت الحكومة، وبعثرت حقيبة سيدة التربية والتعليم، في جوان الماضي، كانت تكنولوجية بحتة. فقد اندلعت التسريبات بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، فتحوّل الفايس بوك إلى مشكلة أمّة بأكملها، وعندما حان علاج المشكلة، بإعادة البكالوريا، لجأت الحكومة، بعدد من وزاراتها، إلى قطع الإنترنت عن الناس، فتعطلت مصالحهم، واعتبر كثير ما حدث سابقة تكنولوجية في تاريخ العالم المعاصر، وحتى عندما وصل يوم جني الثمار بإعلان نتائج الناجحين، تعطل موقع وزارة التربية والتعليم، وعجز عن إرسال تباشير النجاح إلى المتفوقين، لتعود وزيرة التربية السيدة نورية بن غبريط إلى أساليب القرن الماضي في الإعلان عن أسماء الناجحين، من خلال تعليق أسمائهم على جدران وأبواب الثانويات.
وسيكون من الخبل، بعد هذه المهازل التكنولوجية، التي رافقت الامتحان العلمي الوحيد الذي نحترمه من “بسملته” إلى “سلامه”، أن نزعم أن النقلة التكنولوجية التي يجب أن نبلغها، بعد أن جفّت آبار النفط، أو صار سعره من سعر الرمال، بيد هذه الوزارة، التي عجزت عن تهنئة الناجحين عبر موقعها الإلكتروني، وإنقاذهم من “شرّ” التكنولوجيا، فما بالك أن تجعلهم من رجال التكنولوجيا.
قد يكون من حسن طالع بعض الوزارات الفاعلة في الجزائر، أنها بعيدة عن العين، فبقيت بعيدة عن القلب الخافق ألما، فمرّت فضائحها، وهي بالتأكيد كثيرة من دون أن تشغل الناس، أو تثير انتقادهم على الأقل، وقد يكون من سوء حظ وزارة السيدة نورية بن غبريط أن أعين الملايين من الطلبة والأساتذة والأولياء وحتى الفضوليين تترصّدها، لأجل ذلك صارت كل خطوة في مسارها تترك فضيحة، هي بالتأكيد نتاج سنوات من الضياع العلمي والتربوي، وهي لا تتحمل لوحدها تبعاتها، ولو عادت السيدة إلى أساليب سبعينيات القرن الماضي، في تسيير هذا القطاع بامتحاناته الحاسمة، فلن يلومها أحد، مادام بعض العاملين في هذا القطاع مازالوا يحسبون باستعمال أصابع أيديهم، بدليل انهيار التعليم في قلب هياكل قطاع التعليم، موازاة مع انهيار الأخلاق في قلب هياكل وزارة التربية.
لقد كان وزير الداخلية نور الدين بدوي صريحا في آخر كلمته من قسنطينة إلى درجة الوجع، عندما استغرب مطالبة الولايات الساحلية، كلما هلّ فصل الاصطياف بمدّها بالمال العام، حتى يمرّ صيفها وموسمها السياحي بردا وسلاما، في الوقت الذي تنتظر دولا مجاورة مثل تونس والمغرب من مدنها الساحلية أن تمدها بالمال الذي تجنيه في فصل الصيف من السياحة، وسنكون نحن أيضا صريحين إلى درجة الانهيار، عندما نستغرب أن تمدّ وزارة التربية والتعليم، وزارة الجامعات، ومختلف المصانع، بطلبة ومهندسين في عالم التكنولوجيا، وهي عاجزة عن منع أذى التكنولوجيا بتسريباته، وعاجزة عن التمتع بنسماته عبر موقع إلكتروني، يمنح المعلومة والابتسامة للناجحين.