الرأي

بلدة برج زمورة العالمة تحتفي بأعلامها

د. حسين بوبيدي
  • 910
  • 0

تقبع بلدة برج زمورة على إحدى الروابي الجبلية الشمالية لولاية برج بوعريريج، في موقع حصين بذل الإنسان إرادة قوية ليجعل منه موطنا له. يكفي التأمّل في دروب البلدة لإدراك الحمولة الزمنية التي تخترقها، فقد راكمت جهود أجيال لتنتهي إلى الصورة التي هي عليها اليوم، وهذه الصورة لا تزال تقاوم النمط العمراني الجديد لتحتفظ بدلائل العراقة والأصالة وتنقل إلى الخلف أريجا طيبا من أفعال سلفهم.

في البحث عن جذور زمورة الثقافية
راكمت برج زمورة على مرّ العصور تقاليدها العلمية، والتي تعدّ امتدادا لصورة الثقافة الإسلامية بالغرب الإسلامي الوسيط، فمثّلت نموذجا لاستمرارية تلقّي العلم وحمله ونشره وتنشئة الأجيال عليه، إذ حافظ المجتمع على مكانة طالب العلم بما استمرّ يدفع بالأجيال إلى الاندراج ضمن هذا المسار، وتمكّنت الأوقاف والصدقات من تمويل هذا النشاط من خلال التكفل بالطلبة والإنفاق عليهم، وهكذا توارثت الأجيال المناهج والمعارف وحافظت عليها رغم التغيرات السياسية العميقة التي حلّت بها.
تكشف صورة البلدة عن مركزية المسجد وخصوصيته، حتى ليبدو لك أن عدد المساجد ببرج زمورة يفوق ما قد يحتاجه سكانُها، لكنك ما تلبث أن تفهم العلاقة بين المسجد وبين ذلك الحرص الأسريّ على العلم والتعليم، فليست كل المآذن والصوامع التي تراها تقام فيها الجمعة، لكنها تختزن تاريخا من تحفيظ القرآن والمتون الفقهية والعقدية والسلوكية، ومسارا طويلا من التنافس على تمثيل مركز الإشعاع العلمي بالمجال الذي تنتصب فيه، وإن وعيا بطبيعة التركيبة السكانية لبرج زمورة تسمح بفهم هذه المسارعة إلى إثبات مساهمة العائلات المختلفة في إنتاج هذا الواقع العلمي الذي يحمل الشرف والرفعة لأهله.
لقد كانت بداية هذه المساجد أشبه بثقافة المحضرة الصحراوية، فهي بالأساس مجلس الشيخ لدرسه، ومكان اجتماع تلامذته عليه ليتلقُّوا منه ما يفيض عليهم من علمه، وإن مركز حامل العلم في مجتمعات الجزائر الوسيطة والحديثة سرعان ما تحوّل ذلك المجلس إلى رمز يراد له أن يرتبط بالمكان وساكنته، ومن مركز درس، إلى مصلى، إلى مسجد، كانت مسيرة هذه المعالم الزمورية البارزة والشاهدة على أنفاس أهلها، والتي حفظتها الأسماء اليوم (أبو حيدوس، الزروق، بن فرج، سيدي الحسين الورثيلان…).
تحيط بتاريخ زمورة الثقافي العديد من الأسئلة عن البدايات؛ ففي غياب الوثائق القديمة أو تأريخ محلي، لا يمكن أن نكتب الماضي البعيد لتشكّل هذه البلدة بتفصيلات دقيقة، أو نستكشف البذور الأولى التي أنتجت نخبها العالمة التي تبدأ معارفنا عنهم في المرحلة العثمانية؛ إذ احتفظت العديد من العائلات الزمورية بالكثير من الوثائق التي يمكنها أن تعيد رسم المشهد الثقافي بهذه المناطق، وتتمثل في المراسلات والعقود القضائية والإجازات وغيرها. ولذلك، فإن الباحث في التاريخ يقرر مطمئنا إلى أن المشهد الذي تبرزه هذه الوثائق منذ القرن الـ16 إنما هو امتدادٌ لما قبله، ومراكمة على ما سبقه، أما في النصوص الأدبية فإن ملاحظات الرحالة الحسين الورتلاني في النصف الثاني من القرن الـ18 تشير إلى بذور كانت قد زرعت، وهي التي تطورت لاحقا مستفيدة من حرص الساكنة على رعاية العلم وأهله.

برج زمورة وأشكال المقاومة الثقافية للاستعمار
اهتمّ أهل برج زمورة بتاريخهم؛ وكتبوا فيه أعمالا هامة، مثل ما كتبه دراجي شلابي؛ وياسين بن عبيد، وخضير مهدي، وسمير بن سعدي، وعبد المجيد بن داود، وما بلوره أخيرا عبد الحليم بوبكر ضمن مشروعه التاريخي الواعد، ولعل أبرز المحطات التي ركّزت عليها هذه الأعمال هي الفترة الاستعمارية، إذ كانت زمورة نموذجا بارزا لمختلف أشكال المقاومة التي أبداها الجزائريون للاستعمار الاستيطاني الفرنسي، والذي نريد الإشارة إليه هنا؛ هو الدور الذي قامت به مساجدها وزواياها في الحفاظ على التعليم العربي الإسلامي والتصدي لمشاريع الاستئصال والاستبدال الهوياتي والتي قامت بها فرنسا الاستعمارية من خلال ترسانة قوانينها التي حاولت أن تقطع الخيط الناظم الذي يربط الجزائر بتاريخ الأمة الإسلامية وحاضرتها.
واصلت المساجد والزوايا ببرج زمورة تحدّيها للسياسات الاستعمارية من خلال إصرارها على حفظ التعليم القرآني والعلوم الشرعية، ورغم التضييق القائم على محاصرة أشكال الدعم المادي وفي مقدمته الوقف، وأشكال المنع المستندة إلى التشريعات الجائرة، فإن معلمي القرآن ببرج زمورة واصلوا أداء واجباتهم للمئات من التلاميذ الذين حفظوا سند العلم المتصل في هذه المنطقة، ورعت الزوايا التابعة لمختلف الطرق (الشاذلية والرحمانية والعلوية) هذه الأنشطة ودعمتها، وواصل الشيوخ تدريس متون اللغة والفقه والعقيدة والسلوك، وبذلك لم تنقطع التقاليد العلمية عن برج زمورة واستمرت إلى اليوم.

تكشف صورة البلدة عن مركزية المسجد وخصوصيته، حتى ليبدو لك أن عدد المساجد ببرج زمورة يفوق ما قد يحتاجه سكانُها، لكنك ما تلبث أن تفهم العلاقة بين المسجد وبين ذلك الحرص الأسريّ على العلم والتعليم، فليست كل المآذن والصوامع التي تراها تقام فيها الجمعة، لكنها تختزن تاريخا من تحفيظ القرآن والمتون الفقهية والعقدية والسلوكية، ومسارا طويلا من التنافس على تمثيل مركز الإشعاع العلمي بالمجال الذي تنتصب فيه.

إن هذه المساجد والزوايا لم تكتف بتأطير المجتمع الزموري علميا وتحصينه ثقافيا، بل إنَّها وفرت الدّعم للثورة عندما حان موعد الجهاد المسلح، وبالإضافة إلى الطلبة الذين التحقوا بالثورة التحريرية، فإن بعض الزوايا صارت تمثل محطة لقاء المجاهدين وتنظيم اجتماعاتهم، بل وتخبئة مستلزماتهم، ونال القائمون عليها بطش الاستعمار عندما اكتشف بعض هذه الأنشطة.

برج زمورة تحتفي بأعلامها
من التقاليد الجميلة في برج زمورة؛ والتي يكتشفها زائر المكان من غير أهلها، أنها مدينة ينبعث منها عبق الماضي الجميل، إذ لا يزال للبلدة أعيانٌ وكبار محترمون مبجّلون، ولا يزال للمساجد أدوار مركزية في حياة الناس، ولأئمتها مكانة لا تخطئها الملاحظة الفاحصة، ولأن برج زمورة حصن من حصون الثقافة الإسلامية؛ فإن تعلّم القرآن وتعليمه ميزة يحافظ عليها الزموريون، الذين يفاخرون بمشايخهم ومثقفيهم، ويحتفون بهم، ويقدِّمونهم للناس الذين قد لا يعرفونهم.
إن هذا التقليد المبني على ثقافة الاعتراف؛ والإقرار لأهل الفضل بفضلهم، تنهجه جمعية شامة للثقافة والتراث والسياحة؛ ورافقها فيه المجلس الشعبي البلدي لبرج زمورة؛ والذي انتظمت لأجله ندوة حملت هذه السنة عنوان: الإنتاج العلمي والثقافي لعلماء زمورة؛ عقدت يوم السبت: 6 جويلية 2024؛ وقد رافقتها ندوةٌ اقتصادية اختصت بالبلدية؛ وخصّت الجمعية هذه السنة بالاحتفاء والتكريم أساتذة باحثين من تخصُّصات مختلفة، ويتعلق الأمر بالأستاذ الدكتور: ياسين بن عبيد، الأستاذ بجامعة سطيف سابقا؛ والمتخصِّص في الأدب والنقد والتصوُّف والفكر الصوفي، والذي اتجهت كتاباته في الآونة الأخيرة كما قدمها زميله أ. د عبد الملك بومنجل وجهة المنازلة الفكرية للتيارات المعاصرة التي تقدّم إسلاما غير الإسلام، وهو يتولّى حاليا منصب المدير العامّ للمركز الثقافي لمسجد الجزائر؛ والأستاذ الدكتور لخضر مذبوح، أستاذ الفلسفة الغربية بجامعة قسنطينة 2، والذي اهتمّ -بالإضافة إلى الفكر الفلسفي الغربي- بالفلسفة الإسلامية في بلاد الغرب الإسلامي؛ من خلال دراسة قضايا إشكالية في فلسفة ابن طفيل وابن باجة وابن رشد، كما صدرت له مقالاتٌ حول الاستشراق الفرنسي وكتاباته عن هؤلاء الفلاسفة، والأستاذ عبد الحليم بوبكر، الباحث في التاريخ المحلي للمنطقة، وهو خرّيج معهد الخروبة لأصول الدين، والذي يشتغل منذ سنوات طويلة على كتابة تاريخ محلي جامع لأعلام المنطقة، بعد أن نقّب طويلا في الأرشيف العائلي والوثائق الأسرية والرسمية، وجمع منها ما مكَّنه أن ينقل تاريخ زمورة من الشذرات القصيرة إلى المونوغرافيات المتخصصة، والبيوغرافيا التي تحيط بحياة المترجم لهم وتعيد تقديم صورة واضحة لحياتهم وأدوارهم التعليمية.
كانت فكرة التكريم بطريقة مميزة رتّب لها أ. د الطيب سماتي، ونشطها الأستاذ طاهر بن حسين؛ تمثلت في دعوة طلبة وزملاء المحتفى بهم إلى تقديم قراءة في منجزهم ومسارهم العلمي، وقد حاضر فيها أساتذةٌ من مختلف جامعات الوطن (د. حسين بوبيدي من جامعة قسنطينة 2، د. عبد النور بوبكر من جامعة تيارت، د. عمر بن أزواو من جامعة برج بوعريريج، د. داود عبد الغني من جامعة برج بوعريريج، أ. د عبد المالك بومنجل من جامعة سطيف، د. سليمان قارة محمد من جامعة برج بوعريريج)، وهذا النوع من الاحتفاء بطابعه العلمي يكرِّس ثقافة تبرز قيمة أهل العلم في مجتمعهم، ويدفعهم إلى مزيد من البذل والعطاء، ويشجِّع الجميع للنَّسج على منوالهم وسلوك دربهم، ولا شك في أن ترسيخ قيمة العلم والمعرفة مما ترتقي به الأمم ويعلو به شأن المجتمعات، ولذلك، فهذه الالتفاتة الزمورية نحو أعلام المنطقة حقيق بأن تقلَّد وينسج على منوالها.

مقالات ذات صلة