الرأي

بلدنا‭ ‬غير‭..‬

حفيظ دراجي
  • 19062
  • 77

مع كل التناقضات والاختلالات التي نعيشها والسلبيات والنقائص التي نعاني منها، ومع كل الضحايا الذين يسقطون من شدة البرد عند تساقط الأمطار أو بسبب حر الصيف، وأولئك الذين يموتون في عرض البحار هربا من أوضاعهم التعيسة، ورغم قسوتنا على بعضنا بعض وظلمنا لأنفسنا ولبعضنا، وعدم رضانا المستمر عن أحوالنا وأوضاعنا، ورغم الجمود والتردد والتأخر في التوجه نحو التغيير والتصحيح والإصلاح.. رغم كل العيوب فإن “بلدنا غير” و”شعبنا غير”، لأننا نملك كل المقومات البشرية والمادية والطبيعية والمعنوية التي تفتقر إليها الكثير من الأمم،‭ ‬ونملك‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬التألق‭ ‬والتطور‭ ‬والحياة‭ ‬الكريمة‭ ‬لكل‭ ‬أبنائنا،‭ ‬ونتميز‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الخصوصيات‭ ‬التي‭ ‬تؤهلنا‭ ‬لتجاوز‭ ‬المحن‭ ‬والأزمات‭ ‬ونكون‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬تطلعات‭ ‬أبنائنا‭..‬

  ورغم إقرارنا باستفحال الفساد والظلم و”الحڤرة” والجهوية فإن الصديق والعدو، والقريب والبعيد، لا يختلفون في الإقرار والاعتراف بأن صناعة الحياة في الجزائر أقوى من كل إرادة لقتل الحياة، وسواء ترددنا أو تأخرنا، شئنا أم أبينا، فإن جزائر الألفية الثالثة ستكون مغايرة‭ ‬لجزائر‭ ‬الحاضر،‭ ‬مثلما‭ ‬تغيّر‭ ‬تاريخنا‭ ‬وحاضرنا‭ ‬بإرادة‭ ‬الله‭ ‬وبعزم‭ ‬الرجال‭..‬

 بلدنا وشعبنا يقدّران معنى الحرية والكرامة الإنسانية، لأن هذا الشعب العظيم هو الوحيد الذي دفع ثمن حريته مليونا ونصف مليون من الشهداء، لذلك لن يفرط في سيادته وتضحياته ولن يسمح لأي كان ومهما كان أن يقرر مصيره أو يملي عليه إملاءاته.. فلا خوف على سيادتنا.

  عندما نتمعن في هذا الذي يحدث في عالمنا العربي ندرك حجم المحنة التي تجاوزها الوطن نهاية القرن الماضي، رغم فقدان عشرات الآلاف من أبنائنا وعشرات الملايير من أموالنا، ورغم غياب مشروع المجتمع الذي حلمنا به وضحى من أجله أجدادنا وآباؤنا فإننا لن نكرر التجارب الفاشلة،‭ ‬ولن‭ ‬نغامر‭ ‬بمستقبل‭ ‬أبنائنا،‭ ‬ولن‭ ‬نسكت‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬مقصر‭ ‬ومسيء‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن،‭ ‬وسنواصل‭ ‬المطالبة‭ ‬بتغيير‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬تغييره‭ ..‬

  عندما نتمعن في هذا الذي يحدث للرؤساء والوزراء في البلاد العربية ونتذكر بأن الرؤساء الأربعة السابقين للجزائر ورؤساء الحكومات يعيشون بيننا معززين مكرمين، ندرك قيمة الشعب الصبور والمتسامح والوطن العظيم والرجال الأوفياء الذين يسهرون على رعاية وحماية من خدموا‭ ‬الجزائر،‭ ‬رغم‭ ‬تقصيرنا‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬نساء‭ ‬ورجال‭ ‬آخرين‭ ‬يغادروننا‭ ‬تباعا‭ ‬دون‭ ‬إعطائهم‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬التقدير‭ ‬والاحترام،‭ ‬ولكن‭ ‬التاريخ‭ ‬ينصفهم‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬ولو‭ ‬بعد‭ ‬رحيلهم‭. ‬

بلدنا‭ ‬غير لأنه يملك احتياطيا يصل 200 مليار دولار من الموارد المالية التي لا تتوفر عليها أمريكا التي تتخبط في ديون بآلاف المليارات، مما يسمح لنا بتجاوز الكثير من المحن والصعاب لو استثمرناها لإنتاج الثروة وتوفير حاجياتنا ومتطلبات الحياة الكريمة للجميع.

  بلدنا الذي تجتمع فيه الفصول الأربعة وتتهاطل فيه الثلوج بالكمية التي شهدناها الأسبوع الماضي، ويملك ساحلا يفوق طوله 1500 وليس 1200  كما درسنا سابقا، وثروات طبيعية وبشرية فريدة من نوعها، لن يخاف على مستقبل الأجيال القادمة لو تداركنا النقائص والأخطاء وكل السلبيات‭ ‬ولو‭ ‬ذهب‭ ‬الفاشلون‭ ‬والانتهازيون‭ ..‬

  البلد الذي يعشقه أبناؤه بكل هذا الجنون لا يمكن أن نخاف على مستقبله، أو نخاف من تسليمهم الأمانة، خاصة أن نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين عاما تتجاوز 70 %، ويتوجه سبعة ملايين منهم كل يوم إلى المدارس والمعاهد والجامعات، ولم ييأسوا رغم مصادرة حقوقهم‭ ‬في‭ ‬وطن‭ ‬قالوا‭ ‬عنه‭ ‬أنه‭ ‬ملك‭ ‬للجميع‭ ‬وتبين‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭..‬

   الثراء والتنوع الثقافي الذي نزخر به دون صراعات ونزاعات عرقية أو طائفية أو دينية لا نجده في الكثير من الأمم التي أنهكتها الانقسامات والانشقاقات والصراعات السياسية والاجتماعية، والصعوبات الاقتصادية، وغياب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لذلك تبقى‭ ‬الآفاق‭ ‬والآمال‭ ‬تكبر‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يدين‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬أبنائه‭ ‬بالإسلام‭..   ‬

  أما الأهم من كل هذا وذاك، أن البلد الذي تنهب خيراته في بعض المواقع، ويظلم أبناؤه في مواقع أخرى، ويسود في بعض مؤسساته الفساد والتخلف لكنه مع ذلك بقي واقفا، يمنحنا الأمل في غد أفضل نقدر فيه الرجال والجهد، وتكون فيه السيادة للإرادة الشعبية والشرعية الديمقراطية‭ ‬عوض‭ ‬الشرعية‭ ‬الثورية‭ ‬والتاريخية‭ ‬التي‭ ‬تجاوزها‭ ‬الزمن‭ ‬وتعبنا‭ ‬منها‭..‬

  بالنظر إلى كل هذا وذاك، ورغم تشاؤم البعض وتردد البعض الآخر وتواطؤ وسكوت الكثير منا، فإنني ألمح في الأفق جزائر جديدة مليئة بالحب والرخاء والحرية والعدالة الاجتماعية، وأتوقع نهاية مرحلة صعبة ومتعبة دون دماء ودموع ودون حقد وكراهية وتصفية حسابات، ودون كل المتاعب‭ ‬والصعوبات‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬آباؤنا‭  ‬ويعيشها‭ ‬أبناؤنا‭ ‬اليوم،‭ ‬لذلك‭ ‬وجدتُ‭ ‬نفسي‭ ‬اليوم‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬جزائر‭ ‬مغايرة‭ ‬آتية‭ ‬لا‭ ‬محالة‭.. ‬وإن‭ ‬غدا‭ ‬لناظره‭ ‬قريب‭.‬

مقالات ذات صلة