بلقاسم خمار للشروق:اتهامي بالبعثية إشاعة أعتز بها وفساد اتحاد الكتاب سببه الغيرة والحسد
تصوير: علاء بويموت
انتقد الشاعر والمجاهد بلقاسم خمار في حوار صريح مع “الشروق” أنظمة الحكم العربية الفاسدة قائلا: “المفسدون أغلبهم شاخوا في كراسي الحكم”، معيدا الثورات التي يتزعمها الشباب في عدد من دول الوطن العربي في الآونة الأخيرة إلى تذمره، وهو يشاهد منذ سنوات بغيظ شديد انحراف هؤلاء الحكام، وانتقد خمار الذي يحتفل بعيد ميلاده الثمانين هذا الأسبوع، التهميش والإقصاء الذي مورس عليه منذ إحالته على التقاعد، وأكد أن اتهامه بوجود اسمه ضمن مؤسسي حزب البعث السوري إشاعة يعتز بها.
- ما موقفك من الأحداث التي تعيشها مختلف البلدان العربية؟
- – ما وقع خلال هذه الأشهر في الوطن العربي انطلاقا من تونس إلى اليمن شيء طبيعي، وكان متوقع الحدوث سواء بالأمس أو اليوم، بسبب ما يعيشه الوطن العربي من خمول، وفي نفس الوقت من قنوط وإحباط وأنظمة فاسدة، لدرجة أن الفساد أصبح في كل قطر من أقطار العالم العربي، ومما لا شك فيه أن أنقى شريحة في هذه البلدان كان منتظرا منها أن تنتفض ضد هذه الأوضاع، وبالفعل كانت الثورة انطلاقا من سيدي بوزيد من تونس بقيادة الشباب الذي قدم تضحيات، خاصة أن رجال الحكم بصفة عامة هم من يحملون راية الفساد، بدل راية النهوض والإصلاح.
- هل تعتقد أن هذه الانتفاضات كانت شيئا لا بد منه؟
- أكيد… لأن المفسدين أغلبهم ممن شاخوا فوق كراسي الحكم، والشباب كان يتابع خمولهم وانحرافهم بغيظ، وهذا الشباب الذي كان من المفروض أن تسجل طلائعه مفاتيح النهضة والتقدم لكل البلاد العربية أهمل ورمي به في وديان البطالة وأمور أخرى لا علاقة لها بالطموح الإنساني.
- يخشى العديد تحول هذه الثورة إلى نقمة على شعوبها، على خلفية أن الأوضاع ستستغرق وقتا طويلا للعودة إلى طبيعتها، ما قولك؟
- ما أظهره الشباب من فطنة وذكاء خلال انتفاضته دليل على أنه يتمتع بملكة ذكاء قوية، وأنه سيختار أنجع طريق لإعادة الأوضاع إلى مجراها الطبيعي، ولكن أخوف ما نخاف منه هو بقاء رواسب الحكم الماضي في بعض الجهات، مما يتيح لهم فرصة محاولة الكرة لاستعادة مناصبهم المتعفنة، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه.
- كان اتحاد الكتاب الجزائريين الذي كنت عضوا بارزا فيه متفتحا على مختلف الحساسيات الثقافية عكس ما هو عليه اليوم، ما رأيك؟
- أظن أنه لم يتغير شيء في الاتحاد، منذ أن تأسس وهو يعيش نفس المشاكل تقريبا، وأعتقد أن المشكل يكمن فينا نحن أعضاء الاتحاد، نتيجة العوامل التي كانت تفرق بيننا، ومنها تعدد الاتجاهات الإديولوجية، النزاعات الجهوية، الاختلافات في مستوى الوعي بين أعضاء الاتحاد، وهذه العوامل تسببت في تأخره، ويظل الاتحاد دائما ضعيفا هزيلا، ولهذا فأنا لا أرى مانعا لوجود نوازع أخلاقية وغير أخلاقية كانت تفرق بين أعضاء الاتحاد كالغيرة والحسد وضعف المستوى الثقافي والغرور وغيرها من الأمور التي جعلتهم يبنون ويهدمون لأتفه الأسباب.
- استفاد اتحاد الكتاب الجزائريين هذه السنة من ميزانية معتبرة، هل تعتقد أنها ستنعشه؟
- أي نعم، ستنعشه إذا وُجد رجال قادرون على استغلال الخير من أجل البناء، وأحب أن أقول لك إنني لم أستدع إلى الاتحاد منذ التسعينيات ولم أشارك في أي نشاط من نشاطاته، وأجهل الآن تركيبته تماما.
- ألا تشعر بأنه تقصير وتهميش مورس في حقك؟
- ليس تقصيرا في حقي أنا فقط وإنما في حقنا جميعا، وأنا مثلا أصبح سني لا يسمح لي بأن أتدخل في شؤونه الداخلية، خاصة أن القائمين عليه لا يسألون من سبقوهم للاستفادة منهم ولو بالاستشارة، وهذا نتيجة لا مبالاة القائمين عليه طبعا، أما إذا تحدثنا عن التهميش فهو لم يمارس على شخصي فقط، ولكنه مورس على الثقافة بشكل عام، وصدق الشاعر إذ قال “غزلت لهم غزلا رقيقا ولم أجد * لغزلي نساجا فكسرت مغزلي”، أمضيت أكثر من 50 سنة من عمري في خدمة الثقافة منذ كنت طالبا في سوريا ومسؤولا عن الإعلام في دمشق باسم جبهة التحرير الوطني، وأنا أخوض غمار النشاط الثقافي، أدبيا وسياسيا وصحفيا، إلا أن ذلك لم يشفع لي عندهم، ومنذ حصولي على تقاعدي نشطت قليلا، ولأنني لم أجد صدى تراجعت والتزمت الصمت، فأنا منذ أكثر من ثلاث سنوات لم أكتب الشعر ولم أكتب في الصحافة ولم أجد من ينبهني لذلك فواصلت النوم.
- حتى مجلة ”ألوان” التي كنت تشرف عليها أوقفت عن الصدور، ما خلفية ذلك؟
- أعداء اللغة العربية وقفوا ضد مجلة “ألوان” بعد الشهرة والنجاح الذي حققته في المغرب العربي وفرنسا وحتى في سوريا، والدليل أنني كنت أتلقى ما يزيد عن 800 رسالة في اليوم، وبذلت المستحيل من أجل إعادتها، ولكني حوصرت في ذلك الوقت من وزارة الثقافة التي كانت تصدر عنها، وإلى الآن ما زال عددان في المطبعة لم يطبعا منذ 1986، وأذكر أنني خضت معركة قوية في سبيل استمرارها، حيث كنت أستدعى في كل مرة لأستجوب من طرفهم.
- هل تعتقد أنها الأسباب الحقيقية لتوقيفها؟
- - نعم، فالقضية لم تتجاوز دائرة العداء للحرف العربي.
- هل يعني كلامك أن المثقف الجزائري سيبقى معزولا عن دوائر صنع القرار في الجزائر؟
- أعتقد أنه ما دام هناك بعض المؤسسات التي تستعمل الحرف اللاتيني واللغة الأجنبية في معاملاتها الرسمية أو العامة، فإن الحرف العربي واللغة العربية سيظلان متأخرين في بلادنا، ومنذ الاستقلال ودعنا الثقافة الوطنية وتركنا آدابنا وقصائدنا وعاداتنا وتقاليدنا العريقة وأساطيرنا وأمثالنا الشعبية، ونحن الآن للأسف لا نفتقر حتى للنوادي الشعبية الوطنية للأدب والثقافة التي ترّسخ ثقافتنا الوطنية.
- يشاع أنك من بين الطلبة الذين أسسوا حزب البعث في سوريا، ما قولك؟
- هذه مجرد تهمة تم تلفيقها لي وأعتز بها، وأذكر أننا نحن الطلبة الجزائريين بصفة عامة وكنا كثيرين في مختلف أنحاء العالم العربي في عهد الاحتلال الفرنسي، كنا جميعا منخرطين في جبهة التحرير الوطني، وحملنا هموم ثورتنا في أفكارنا وفي عقائدنا وفي عملنا باعتزاز، وكانت كل الأحزاب في المشرق العربي الإسلامية والبعثية والعروبية والشيوعية وغيرها كانت تحترمننا، وكان الآخرون يحسدوننا لأننا من أبناء الثورة ومن جنود جبهة التحرير وكانوا بذلك يقدمون لنا كل آيات التقدير.
- ما خلفية هذه الاتهامات في اعتقادك؟
- التهمة خرجت من الجزائر، وكان وراءها أعداء اللغة، العروبة والإسلام، لأن حزب البعث هو حزب عنصري ملحد، وقد سبقتني هذه الإشاعة قبل عودتي إلى الجزائر بعد الاستقلال، وأعتقد أن الذين خاضوا هذه الثورة حققوا انتصارا كبيرا، لأن الذين حكموا الجزائر بعد الثورة كانوا من الفرنكوفونيين والفرانكوفيليين.
- هل كنت من زوار الجاحظية في حياة الراحل الطاهر وطار؟
- نعم، كنت من زوار الجاحظية، ولكن ليس بصفة دائمة، والمرحوم الطاهر وطار كان من أعز أصدقائي وأعرفه منذ الاستقلال، وكنت أزوره حتى في منزله، هو شخصية عظيمة ومحترمة وجريئة وواعية وذكية ومثقفة، وأكثر ما يميزه قوله لكلمة الحق مهما كانت الظروف، ورحيله عن الساحة الثقافية من الكوارث التي أصابتنا في فقدان أمثاله من العظماء.