بل بحقد وتعصّب
مناضل يسمى حمود شايد، ولد في سنة 1930، وقد أصابه من فرنسا ما أصاب أكثر الجزائريين من ظلم كبير، واحتقار شديد، وإهانة بالغة..
قرر الجزائريون أن يجاهدوا للقضاء على ذلك الظلم، وليثأروا للكرامة الإنسانية التي أهانتها فرنسا، وليستعيدوا ما اغتصب منهم، وكان هذا المناضل أحد الذين التحقوا بالثورة، وقام بما أمكنه من أعمال في داخل الجزائر وخارجها..
عندما نصر الله – عز وجل – الجزائريين، وبدأوا يؤسسون دولتهم، وهياكلها، شارك حمود شايد في ذلك، من مسؤول في جريدة “الثورة الإفريقية”، وتسيير للفنادق والمطاعم، وتكليف بمهمة في ديوان وزير التوجيه الوطني، ورئاسة للمركز الوطني لنشر الوسائل البيداغوجية في المعهد الوطني البيداغوجي، ورئاسة القسم العامة في المحافظة الوطنية للإعلام الآلي.. ثم أحيل إلى التقاعد في سنة 1984، ليعين في سنة 2001 عضوا في مجلس الأمة، ولست أدري إن كان ذلك التعيين لعهدة واحدة أو لأكثر من عهدة، وقد أنهى حياته بالإشراف على الجانب المالي للحملة الانتخابية الخامسة لعبد العزيز بوتفليقة، الذي كان تعرّف عليه في سنة 1958.. وقد توفاه الله – عز وجل – في جوان 2020.
حمود شايد كتب مذكراته التي اختار لها عنوانا، أعترف أنه أزعجني، بل استفزّني، لأنه أحيا في نفسي وذاكرتي قناطر مقنطرة من الآلام عشتها – وأن دون العاشرة من عمري – مع أسرتي، ومع جيراني، وأهل قريتي في مشتى بوكرامة ببن ياجيس، من دوار تمزقيدة، على الجنوب الشرقي من مدينة جيجل، ثم في مدينة جيجل التي التجأنا إليها بعد تهديم فرنسا
لمنزلنا.. ثم ما قرأته عن جرائم فرنسا في وطني من غربه إلى شرقه، ومن جنوبه إلى شماله، إلى جرائمها ضد أبناء وطني في مهاجرهم.. وإن آثار تلك الجرائم ماتزال ماثلة للأعين، حاضرة في الذاكرة، حية في الأجساد المشوهة، والمريضة.
إن العنوان الذي اختاره شايد حمود لمذكراته غير موفّق، وأنا شخصيا لا أؤمن بأن من عاش وعاصر ولو جزءا بسيطا من جرائم فرنسا في الجزائر ولا يحقد عليها أو يتعصب ضدها، خاصة أن جرائمها ضد الجزائر، وتآمرها عليها، وكيدها لها مايزال كل أولئك قائما مشهودا.. وآخره ما خرج من “مفسى” المسماة فيرونيك جاكي.
إن حمدان خوجة الذي لم يعش تحت “عدل” فرنسا إلى بضع سنين، لم يصبه شخصيا أي أذى مادي، ومع ذلك كتب قائلا: “اللهم ظلم الأتراك ولا عدل الفرنسيين”.. إن صادق الجزائريين وصالحهم على مذهب إمامهم العربي التبسي المجهول القبر لحد الآن، قائلا: “من يعش فليعش بعداوة فرنسا، ومن مات فليحمل معه هذه العداوة إلى القبر”، ومحمد البشير الإبراهيمي القائل: “فهيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها بعد أن جنينا المر من ثمراتها”، وأقول للجزائريين وأنا من جيل ما عبد الإبراهيمي والتبسي: لا يؤمن أحدكم حتى يحقد على فرنسا الظالمة، الناشرة للفتنة بين الجزائريين، وإن الراجي في توبة فرنسا كالراجي في توبة إبليس.