مقترحاتٌ لتحسين ترتيب الجامعة الجزائرية في التصنيف العالمي
أثلج صدري التقدم الذي أحرزته الجامعة الجزائرية ولأول مرة في تصنيف QS الذي هو ثمرة البحث الجاد الذي يقوم به الباحثون الجزائريون الذين يثبتون في كل مرة قدرتهم على رفع التحدي ودخول معترك المنافسة الدولية عن جدارة واستحقاق بما تهيأ لهم من فضاء بحثي محفِّز مقارنة بالسنوات العجاف التي لا يجد فيها الباحث فضاءً بحثيًّا معينًا يساعده على الإبداع والابتكار وصناعة الأفكار.
هذا الطموح الجزائري يذكري بمقولة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله: “إن الطينة الجزائرية طينةُ علم وذكاء إذا واتتها الظروف” (الشهاب، فبراير 1931، ص 18). إن المطلوب من الباحثين الجزائريين هو مواصلة معركة التحدي في مجال البحث العلمي لأن الجزائر بحاجة إليهم لتطوير منظومتها العلمية في عصر الغلبة فيه للأفكار الجديدة والبحوث الجادة التي هي عماد كل نهضة.
لا تقاس تجربة الجامعة الجزائرية الفتية بنظيراتها في العالم، فقد مرت الجزائر بفترة استعمارية، عمل فيها الاستعمار على تكريس الأمية في المجتمع الجزائري والتضييق على الكفاءات وانتهاج سياسة الأبواب الموصدة أمام العقل الجزائري ووأد الوعي الفكري بكل الطرق. إن الاستعمار هو العدو الأول للعلم فهو لا يعيش ولا يتعايش مع البيئة العلمية إلا إذا كانت بيئة صديقة تسبِّح بحمده وتنفذ مشاريعه. لقد حاول الاستعمار الفرنسي أن يُظهر للعالم بأن العقل الجزائري عقلٌ كديد عاجز عن الإبداع ففوجئ في عز التضييق عليه بعقل متقد من طينة العقول الكبيرة التي أدهشت العالم وتركت بصمتها في شتى المجالات العلمية من الطب إلى الفيزياء إلى الكيمياء إلى غيرها من التخصصات لأن الأزمة تلد الهمة ولأن الإرادة والعزيمة إذا توفرتا في شعب جعلته ينهض من تحت الركام ويغالب الزمان ويفرض نفسه رغم أنف أعدائه.
لم تدرك الجامعة الجزائرية في الوقت الراهن المرتبة التي ننشدها ولكنها ماضية في هذا الاتجاه وستدركها في المستقبل إذا صحت العزائم واجتمعت الإرادات، فليس هناك مُحال مع الإصرار فكل من سار على الدرب وصل.
هناك جملة من المقترحات التي أراها ضرورية ومجدية لتحسين ترتيب الجامعة الجزائرية في التصنيف العالمي، ولكن قبل الخوض فيها لا بد من الإشارة إلى جملة من الحقائق التي يجهلها بعض المشتغلين بالبحث العلمي والتي يتعلق أغلبها بالمعايير المعتمدة في التصنيف العالمي للجامعات، وأول هذه الحقائق أن التصنيف يعطي الجامعات العريقة مبدأ الأفضلية، وهذا واضح من التصنيفات السابقة والحالية التي تضع جامعات عالمية بعينها في صدارة الترتيب.
ومن هذه الحقائق أيضا أن المجلات والمجالات التي يُعتمد عليها في التصنيف العالمي للجامعات أغلبها محتكرة أو تكاد من قبل هذه الجامعات أو المراكز التابعة لها، ومن هذه الحقائق أيضا أن الجامعات العربية بما فيها الجامعات الجزائرية شهدت وتشهد نزيفا في الكادر العلمي بسبب هجرة الأدمغة التي ساعدت بعض الجامعات العالمية على تحقيق الصدارة، فماذا لو استعادت الجامعات الجزائرية والعربية عقولها المهاجرة؟ إن هذا سيغيِّر المعادلة لا محالة وسيمكِّن هذه الجامعات من تحقيق الريادة أو المنافسة عليها في أضعف الإيمان. ومن هذه الحقائق أيضا أن أغلبية الباحثين في الجامعات الجزائرية والعربية لا يهتمون بالمجالات البحثية الحيوية والمعاصرة وخاصة في الميادين المعرفية المبتكِرة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وغيرها.
من المقترحات التي تمكِّن من تحسين ترتيب الجامعة الجزائرية في التصنيف العالمي: أولها أن تنتقل الجامعة الجزائرية من البحث العلمي الكلاسيكي إلى البحث العلمي المتميز الذي يحقق لها التميز العلمي الذي يستند على حجم الأبحاث العلمية العالمية المنشورة التي تمكنها من المنافسة على الصدارة والريادة. وثانيها تفعيل مخابر البحث العلمي لتكون رافدا من روافد التنمية وعاملا من عوامل النهضة وليس بوابة للترقية العلمية والظفر بالتربصات وتنظيم الملتقيات التي تلتهم ميزانية أكبر ولا تقدم إضافة تذكر للبحث العلمي. وثالثها تعزيز مهارات البحث العلمي لدى الطلبة من المراحل الدنيا إلى المراحل العليا وتفعيل عمل أقطاب التميز التي يجب أن تستقطب العناصر البحثية المتميزة القادرة على صناعة التميز العلمي، ورابعها أن تتحول الرقمنة في الجامعة الجزائرية إلى عامل محفِّز لتجديد المعارف وتنمية الإبداع العلمي. وخامسها أن تستضيف الجامعة الجزائرية في إطار التعاون بين الجامعات الكفاءات العلمية العالمية من أجل ترقية التخصصات ذات الأهمية القصوى، وسادسها أن تقلص الجامعة الجزائرية دائرة التعليم الجالس وتنفتح على الفضاء البحثي، وأعني بـ”التعليم الجالس” التعليم الذي يركِّز على التعليم النظري الذي لا يساعد كثيرا على التميُّز العلمي لاعتماده على الذاكرة التلقينية أو ما يسميه بعض المتخصصين “البيداغوجيا التلقينية” وليس على الذاكرة الاستكشافية.
سابع الاقتراحات يتمثّل في تعزيز تجربة مشاريع البحث الوطنية وانتقاء البحوث العلمية المتميزة الكفيلة بسد الاحتياجات الوطنية في المجالات الاستيراتيجية خاصة في مجال الفلاحة والصناعة الصيدلانية والطاقة والذكاء الاصطناعي وغيرها. وأعتقد أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عاكفة على هذا المشروع من خلال سعيها الحثيث لبعث هذه التجربة أو لإيجاد بدائل أخرى . وثامنها إعطاء الأولوية في التربصات قصيرة المدى والتكوين الإقامي ومختلف أنواع التكوين المستمر للتخصصات ذات الأولوية والأهمية القصوى التي تتماشى مع سياسة البحث العلمي التي تنتهجها الجزائر لتطوير منظومتها الجامعية. وقد استجابت الوزارة لهذا المقترح من خلال التعديلات المهمة التي أدخلتها على نظام التربصات العلمية بما يحقق المقاصد الكبرى لسياسة البحث العلمي في الجزائر من خلال رؤية براغماتية تضع الاحتياجات الوطنية في صدارة الاهتمامات البحثية. وتاسعها التركيز على الكيفية والنوعية في اعتماد المجلات العلمية المحكّمة وأن تُعهد هذه المجلات إلى لجان على قدر كبير من الخبرة العلمية من أجل تحصين البحث العلمي من أي سرقات علمية محتملة تضر بسمعة المجلات العلمية . وعاشرها أن تُعطى الأولوية في برامج التكوين في الماستر والدكتوراه للمنهجية العلمية التي يفتقد إليها كثيرٌ من الباحثين والتي تشكِّل لنسبة كبيرة منهم عائقا يحول دون تقديم مادة علمية مقبولة ولو بالحد الأدنى.
الاقتراح الحادي عشر يتمثّل في إعطاء الأولوية لبراءات الاختراع، وقد اطلعتُ في هذا الصدد على بحث قيِّم يتناول هذه النقطة الحساسة للباحثين بكلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بجامعة الشلف: فلاح كريمة -طالبة دكتوراه – ومداح عرايبي الحاج الأستاذ المحاضر قسم أ، بعنوان: “البحث العلمي في الجامعات الجزائرية: الواقع ومقترحات التطوير” وقد رصد الباحثان حصيلة براءات الاختراع المقدمة في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي وفي مراكز ووحدات البحث العلمي التابعة وغير التابعة لوزارة التعليم العالي وذلك ما مجموعه 134 براءة اختراع. وقد احتلت جامعة البليدة -كما جاء في البحث- المرتبة الأولى من حيث عدد براءات الاختراع المنجزة والمقدرة بـ12 براءة اختراع في 2011 و13 براءة اختراع في 2012، تليها جامعة بومرداس بمعدل 02 براءة اختراع في 2011 و05 براءات اختراع في 2012، ثم جامعة تلمسان ببراءة اختراع واحدة في 2011 و02 براءة اختراع في 2012، ثم جامعة سيدي بلعباس ب00 براءة اختراع في 2011 و02 براءة اختراع في 2012. ويضيف الباحثان أنه بالعودة إلى المؤشرات العالمية من حيث تقديم براءات الاختراع، فإن الجزائر تحتل المرتبة 124 من مجموع 141 دولة وأنه قد جرى في سنة 2012 تسليم 700 براءة اختراع منها 70 فقط لباحثين ومتعاملين جزائريين وأغلبها لمتعاملين اقتصاديين أجانب، وأن نسبة براءات الاختراع التي تم استغلالها بصفة فعلية في الجزائر لا تتجاوز 0.1 بالمائة من مجموع نحو 100 براءة اختراع مسلَّمة سنويا. (منقول من البحث المشار إليه والمنشور في “مجلة اقتصاديات شمال إفريقيا العدد الخامس عشر، ص 222-223).
يجب أن تقلص الجامعة الجزائرية دائرة التعليم الجالس وتنفتح على الفضاء البحثي، وأعني بـ”التعليم الجالس” التعليم الذي يركِّز على التعليم النظري الذي لا يساعد كثيرا على التميُّز العلمي لاعتماده على الذاكرة التلقينية أو ما يسميه بعض المتخصصين “البيداغوجيا التلقينية” وليس على الذاكرة الاستكشافية.