الرأي

… بل هو جيلٌ ثان من “الإسلاخات”

الشروق أونلاين
  • 1739
  • 4
ح. م

في وطن العزة والكرامة، أرض الشهداء والأحرار، توجد نخبة أبيّة في مجتمعنا ذات أصول عريقة وأواصر عميقة من الأسرة التربوية، تريد أن تقول كلمتها في كل حين ولا تستطيع. إنها هي تلك الفئة المنكوبة معنوياً التي فرض على وجدانها السكن في بيوت قصديرية أو هشة، أو حتى العيش بدون مأوى يقيها من نوازل ومتاعب هذه الحياة العصرية المعقدة. تجد أرواحها وحيدة تعاني من ويلات الفقر الحضاري والحرمان الفكري، وتتربص بها المخاطر والأوبئة الإيديولوجية الفتاكة.

هم رجال التربية الأصيلين، أصحاب العقد وأهل العزم، الذين لا مصير لهم إلا التهميش والاحتقار، لا ذنب لهم في كل ذلك سوى غيرتهم على وطنهم وتضحيتهم دفاعاً على ثوابت ومقوِّمات أمتهم التي كانت خير أمَّة أخرجت للناس.

لا يكاد يمضي يومٌ جديد إلا ومنهم من يجد منفذاً للتنفس قبل أن يختنق، وتُحقن أقلام بعضهم بحبر الحق قبل أن تجف، حيث يسطع شعاع الأمل من «الشروق» في الأفق، فيتبدد الظلام ويتجلى النور، ولن ينقطع الخير في أمتنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إن من فضل الله عزّ وجلّ أن منَّ علينا بهذه الجريدة الغراء، منبر الحق الذي نجده ويجدنا في السراء والضراء، نعرفها وتعرفنا في الشدة والرخاء. كيف لا، وفيها نفرّج همومنا ونبوح بأحوالنا وأخبارنا، وعلى صفحاتها نرتجي مداواة أمراض مجتمعنا، لاسيما في قطاعنا التربوي الذي هو يحتضر في عالم تحكمه القوة ولا بقاء فيه للضعيف. دليل ارتباطنا الوثيق هذا، هو أننا لا نصبر على يوم، وبالأحرى لا تنبعث فينا روح قوميتنا من جديد دون أن تشرق علينا شمس “الشروق”. فضلاً عن ذلك ورغم انتشار الأضواء الإعلامية البرّاقة، لا تثق أبداً ألباب القراء الذوّاقة في أن تجد ضالتها إلا على ضوء هذه الشمس المتوهّجة، لذا أعطيناها عهدا أن لا يسيل نفط أقلامنا إلا كانت لها وقوداً.

وعليه، يا شروقنا! أردنا من خلالك قول كلمة هي فيض من غيظ حول تلك “الإسلاخات” المتكررة لمناهجنا التربوية، فنحن رجال التربية أول من اكتوى بنيرانها، لذلك اقتنعنا يقيناً ومنذ انطلاقها أنها انتكاسات لما اكتسبته مدرستنا المسكينة والمغلوب على أمرها. ولتكن شهادة حق منا أن مجتمعنا الذي ارتضيناه طيب الأعراق لن يجني منها إلا الخراب. 

هذه “الإسلاخات” يظن أصحابها أنها مكاسب لشعب ظمآن، لكنه إذا اقتدى بهم وسار على دربهم لن يجد إلا السراب. والبرهان على ذلك أنه بعد صبر الجميع وترقب أهل الاختصاص لما ستفرزه المناهج التعليمية المستوردة من وراء البحار – وكأن دارنا عقمت من كل ذي علم أو مبادر في الإصلاح- وانتظرنا الغلة عقداً من الزمن، ما وجدنا إلا الخيبة تلو الأخرى؛ إذ أصابنا الوهن، والحسرة العظمى أن تبقى أوضاعنا على حالها في التردّي الشامل، تُعاود فينا الزلات ولا نكترث، يُنطلق بنا من الفشل ولا نستغيث، ها قد بات فرض ارتكاب مجازر أخرى على نظامنا التربوي أمراً مقضياً، فرغم الاعتراض الواسع منا، تسير بنا قافلة الإفساد والتعتيم إلى الظلام والجحيم. ولسان حالنا يقول: «رفقاً يا أهل الباطل، أتريدون لأمتنا أن تزول؟ فللكعبة رب يحميها، ولله أمتنا لن تزول!».

أ. لقمان. ز / باحث أكاديمي وإطار في قطاع التربية

مقالات ذات صلة