الرأي

بناة الفوضى الخلاقة على «خرابة» أم الدنيا

حبيب راشدين
  • 6838
  • 0

واقعة ستاد بور سعيد، التي قتلت أكثر من واقعة الجمل بميدان التحرير، يفترض أن تحول اهتمام اللاعبين الوافدين من «ميركاتو» دوري الربيع العربي الديمقراطي، إلى أن استعادة الشعوب للسلطة لا يعني شيئا، إذا كان الثمن هدم الدولة، وفقدان الأمن، وإضعاف اقتصاديات هزيلة أصلا، لأنها النوافذ التقليدية لعودة الاستبداد بأكثر شراسة من ذي قبل.

مرة أخرى تطرح الأحداث الدامية التي شهدتها مصر، يوم الأربعاء، بمقتل أكثر من 70 مواطنا، وجرح المئات في شغب حدث بملعب بور سعيد، تطرح أسئلة كثيرة على القيادات التي تولت السلطة في مصر بعد خلع رأس النظام، والدخول في ترتيبات مع العسكر يبدو أنها وصلت اليوم إلى مفترق طرق، وبدأ الشعب المصري يكتشف الخدعة الكبرى التي اشتركت فيها الكثير من القوى السياسية، حين أوهمته في فبراير من العام الماضي أن خلع مبارك يعادل إسقاط النظام.

.

.الثورة المضادة التي سبقت الثورة

نهاية الأسبوع جاءت بأكثر من شاهد على أن كل ما شهده العالم العربي منذ سنة، لا يخرج عن أحد الاحتمالين: الأول، أن الأوضاع السيئة والمأساوية في المجتمعات العربية كانت قد بلغت مستوى خط الصفر في منحنى الانحدار، فكان الانفجار الشعبي الذي أنتج ما أنتجه، سرعان ما تدافعت عليه قوى جبارة من الخارج والداخل، تريد توظيفه من أجل إعادة برمجة المشهد السياسي، وربما الجغرافي، في العالم العربي. والثاني، أن نفس القوى الجبارة تكون قد استشرفت في وقت مبكر قرب وقوع الانفجار، فاستبقته بترتيب سيناريوهات كثيرة لإدارة التغيير، شهدنا لها حتى الآن ثلاثة نماذج: في تونس ومصر، ثم في اليمن وفي ليبيا وسورية، القاسم المشترك فيها لم يكن تغيير النظم، بقدر ما كانت الحاجة الماسة إلى تغيير رؤوس النظم، والعمل مع قيادات جديدة قادمة من رحم النظام، ومن يقبل من قوى المعارضة أن يدخل اللعبة، ويأخذ سهمه من الكعكة.

في الحالة المصرية، كان الأمر مفضوحا منذ الأيام الأولى، يشي بترتيب سابق اشتركت فيه العناصر الثلاثة: مؤسستا الجيش والشرطة، وقوى سياسية استدعيت في وقت سابق للمشاركة في الأداء، وأخيرا لاعب دولي له الباع الطويل، وصاحب الفضل على المؤسسة العسكرية، ويمتلك أدوات إقليمية مستعدة لأداء ما يطلب منها من أدوار، فضلا عن شبكة داخلية من المجاميع النشطة في المجتمع المدني المصري.

. 

كعكة البرلمان التي فرَطت عقد” فلول الثوار”

جانب من الشارع المصري، ومعه جزء من المعارضة من داخل البرلمان، بات يوجه أصابع الاتهام ليس فقط للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الماسك بالحكم، بل أيضا لتيار الإخوان الفائز بالأغلبية في البرلمان، يتهمه بالتواطؤ من أجل اختطاف ثمار الثورة.

فقبل أيام من حادث الإسماعيلية، حصلت مواجهة بين مجموعة طلاب من جامعة القاهرة، كانت تريد دخول مقر مجلس الشعب المصري، وشباب من الإخوان تصدى لهم ومنعهم بالقوة، واتهم عدد من شباب التيارات اليسارية جماعة الإخوان بـ«خيانة الثورة والوصول إلى البرلمان على جثث شهداء الثورة».

الانتقال إلى اتهام الأخوان بالتواطؤ مع المؤسسة العسكرية، جاء في أعقاب الموقف السلبي للإخوان من مطالب شباب الثورة بتسريع نقل السلطة للمدنيين، والمطالبة صراحة برحيل المشير طنطاوي وحكم المجلس الأعلى.

. 

الوجه الآخر لربيع إسقاط الدول

جانب من الاحتقان الشعبي يعود إلى الإحساس المتنامي عند المصريين بتعمد المجلس الأعلى للقوات المسلحة إطالة أمد المرحلة الانتقالية، وخلق جو من الانفلات الأمني الذي قد يتخذ كذريعة، إما لتمديد مرحلة حكم العسكر، أو لحمل التشكيلة البرلمانية الجديدة على القبول بطلبات العسكر حيال ملف الرئاسيات القادمة، وموقع العسكر عموما في السلطة مستقبلا

غير أن المتابع للأحداث في مصر، وفي الدول التي نجح فيها حراك الربيع العربي، لا يمكن ألا يرى الوجه الآخر من العملة في ما يجري من إضعاف منهجي للدولة ومؤسسات الحكم، مع الإبقاء على أهم رموز وفعاليات النظام الذي استؤصل رأسه.

 ولأن مصر لها ما لها من الوزن في المنطقة، فإن رصد هذا العمل المنهجي في اتجاه إضعاف الدولة المصرية، لا يعني المصريين وحدهم، بالنظر إلى تداعيات نجاح من يعمل في الخفاء على إضعاف الدولة المصرية أكثر مما أهانها وأضعفها نظام مبارك وقبله نظام السادات.

. 

ضمان توريث السلطة لفلول العسكر

فمن جهة التشخيص، لا يمكن لأي عاقل أن يصرف النظر عما آلت إليه مؤسسات الدولة تحت ضربات متضامنة، ليس فقط ممن يوصفون بفلول النظام، ولا من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يستغل تولي إدارة البلاد لتنفيذ مهمة واحدة، هي إنقاذ موقع المؤسسة وصفوتها، ولا حتى من اللاعبين من الخارج وعلى رأسهم الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، مع ما نراه من محاولات لإضعاف الاقتصاد المصري، والتلكؤ في تقديم ما وعدوا به من مساعدات اقتصادية ومالية، بل إن الطبقة المصرية برمتها تشترك عن قصد أو عن غير قصد في مسلسل إضعاف الدولة المصرية بمواقفها المرتجلة تجاه متطلبات المرحلة الانتقالية.

فمن السهل أن يتفهم الملاحظ حاجة المؤسسة العسكرية، كما حاجة فلول النظام الذي لم يسقط، ومعهم القوة الدولية والإقليمية، لأن الجميع لا يريد أن ينشأ في مصر، كما في باقي الدول التي طاولها الربيع العربي، نظام ديمقراطي سيّد، مستغني عن دعم الشقيق والصديق والحليف، وأن من مصلحتهم أن ترث الحكومات المنتخبة دولة مفككة، هزيلة، طيّعة، لا تخرج عن أوامر النظام المنظم العالمي، بل ويراد لها أن تقبل، مع ضعفها، بما لم يقبل به النظام برأسه الساقط.

هذا السلوك من قوى، يعرف عنها عداؤها لأي مسار قد يمكن الشعوب العربية من استعادة السيادة على دولها، وعلى صناعة القرار السيد فيها، كان متوقعا أو كان يفترض من القوى السياسية والشعبية، التي رفعت شعار الثورة، أن تعيه بالكامل في أي خطوة تخطوها لتثبيت أسباب النجاح لمسار التغيير، وكان عليها أن تترك جانبا سلوك استعداء مكونات النظام، وتوعد الجميع بالانتقام والمحاسبة والمقاضاة، لأن ذلك ساعد، بلاشك، في توحيد صفوف فلول النظام، كبارهم وصغارهم، وسمح لرأس النظام الفعلي الذي لم يسقط، ممثلا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، سمح له أن يجند بسهولة شبكة واسعة من المصريين المتخوفين من المحاسبة والعقاب حالما تستقر الأمور، وتستلم المؤسسات المنتخبة زمام الحكم.

. 

الانتقال الآمن بأدوات إشاعة الخوف

فالانفلات الأمني الحاصل في مصر، كما في تونس، وليبيا، واليمن، لا يمكن أن يفسر فقط بالظروف الموضوعية التي تنشأ عادة في اليوم التالي لنجاح الثورات، فقد تابعنا كيف استطاع المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية إدارة الانتخابات التشريعية، وتأمينها حتى من الحوادث التقليدية التي كانت تحصل في زمن مبارك، واستفاد وقتها من رضا وإشادة القوى السياسية التقليدية، التي ثمنت حسن إدارته للعملية الانتخابية، خاصة في جانبها الأمني، فكيف يفهم فشله في تأمين مقابلة رياضية تنتهي بهذه الحصيلة الكارثية، وكيف عجز عن وضع حد لانتشار أعمال العنف و»البلطجة« التي تهدم أية فرصة لإعادة النشاط إلى قطاع السياحة، وهو قطاع يساهم في مصر بأكثر من عشَر في المائة من الدخل القومي الخام؟

وسائل الإعلام المصرية والدولية تتناقل يوميا وقائع أحداث لا تحصى من جرائم القتل والاختطاف، وسرقات البنوك التي لم تعهدها مصر من قبل. فخلال الأسبوع المنصرم فقط سجلت عشرات الحالات من أعمال العنف والسطو على البنوك وشركات نقل الأموال، فضلا عن تزايد جرائم الاختطاف وطلب الفدية من ذوي المخطوفين، ومنهم سياح أجانب. كما يتناقل الأعلام المصري يوميا أحداث شغب، وقطع للطرقات وخطوط السكك الحديدية، دون أن يحرك الأمن المصري ساكنا، وكأن المؤسسة العسكرية التي تدير المرحلة الانتقالية تريد معاقبة الشعب المصري، وتريه جانبا مما ينتظره في الأشهر والسنوات القادمة، إن هو انتقل من المطالبة برحيل رأس النظام، إلى المطالبة بترحيل العسكر من السلطة.

. 

ورطة «الإسلاميين» في مسار يتحكم فيه العساكر

في أعقاب حادث ستاد بور سعيد، تداعت القوى السياسية الممثلة في البرلمان الجديد إلى جلسة طارئة لمجلس النواب، انتهت بتوجيه الاتهام بالتقصير لوزير الداخلية، وبتشكيل لجنة لتقصي الحقائق. ورغم ظهور بعض الأصوات التي طالبت بمحاسبة المجلس الأعلى، وتحميله مسؤولية الانفلات الأمني، والتقصير الواضح في أداء الأجهزة الأمنية، فإن رئاسة المجلس ناورت بذكاء من أجل صرف نظر أعضاء مجلس النواب عن الدخول في صراع مبكر مع المؤسسة العسكرية، بل وحتى مع الحكومة، ليس فقط لأن الإخوان مرتبطون بأحكام صفقة مع المؤسسة العسكرية، كما يتهمهم اليوم صراحة شباب ميدان التحرير، أو لأنهم لا يرغبون في سقوط الحكومة الحالية قد يجبرهم على تولي تشكيل حكومة جديدة، وتحمل أعباء إدارة المرحلة إلى غاية انتخاب رئيس جديد لمصر، بل لأنهم يستشعرون حاجتهم إلى المؤسسة العسكرية كحليف لا غنى عنه لتثبيت موقعهم في السلطة وإدارة البلاد.

لا ريب أن هذا الموقف يبقى موقفا عقلانيا وسليما، لولا أن الإخوان ومعهم القوى السياسية التي قطفت ثمار الثورة، قد منحوا المؤسسة العسكري، في وقت مبكر، صك غفران مفتوح جبّ ما قبله، باعتبار المؤسسة العسكرية شريكا في الثورة، حمى الثورة من شرطة النظام و»بلطجيته«، كما منحوه ما يحتاج من وسائل وأدوات لتثبيت موقع العسكر باستعدائهم المفرط لأجهزة الأمن من جهة، وبتوعدهم لفلول النظام بالملاحقة القضائية والانتقام، وأخيرا بخذلان شريحة الشباب التي أقصيت من اللعبة البرلمانية، التي قطف ثمارها فلول »لقد هرمنا«، ناهيك عن انصراف البرلمان الجديد إلى مهام اقتسام كعكة السلطة داخل البرلمان، والانشغال بها عن تدبر ما يحصل من إضعاف للدولة المصرية ولاقتصادها المنهار، وتردي الأحوال المعيشية للملايين من المصريين، قد يتضامن في المستقبل القريب ليفجر زلزالا آخر في وجه الحكومة المنتخبة القادمة، ويعيد المليونيات إلى ميادين التحرير تطالب برحيل فلان وعلان من وجوه السلطة الجديدة.

. 

دول فاشلة لتأمين بؤرة النفط العربي

بكل أمانة، لا يتمنى أحد أن يتحقق مثل هذا السيناريو الكارثي في مصر، لأن أحوال شعوب ودول العالم العربي السيئة أصلا، لا تحتمل أن تلتحق دولة، بحجم مصر وثقلها في المنطقة، بقافلة الدول العربية الفاشلة، من الصومال إلى العراق، ومن ليبيا إلى اليمن، وربما سورية، في حال نجاح التحالف الخليجي الغربي في إسقاط النظام السوري، بكل ما لذلك من تداعيات خطيرة على منطقة الشام.

فمن الواضح أن من أهم نتائج الربيع العربي تثبيت فوضى خلاقة لمزيد من الفوضى، يراد لها أن تضعف الكيانات القطرية ذات الوزن من حول بؤرة النفط الخليجية، إلى أن تحين ساعة الاستفراد بجزيرة العرب، وبعروشها المرتمية بالكامل في أحضان الولايات المتحدة. فالجامعة العربية، المريضة أصلا، قد انتهت، وتحولت إلى ملحقة مرتشية لأمراء وسلاطين الخليج، كما شغلت فوضى الربيع العربي بقية الدول العربية بإدارة فوضاها الداخلية، بالقدر الذي لن يسمح في أفق منظور لدول ذات وزن، مثل مصر والعراق وسورية والجزائر أن تتحرك لإعادة بناء مؤسسة عربية تخلف الجامعة، وتعيد صياغة مشروع بديل لها ينظم التعاون العربي، ويبقي على حظوظ العرب في المشاركة مستقبلا في إدارة إقليمهم بعيدا عن الوصايات الإقليمية والدولية من عجم المنطقة وعلوج الغرب. 

مقالات ذات صلة