“بوتفليقة” يشرف على آخر منعرج
أشرف رئيس الجمهورية “عبد العزيز بوتفليقة”، الأحد، على آخر منعرج في مسار إنجاز جامع الجزائر الأعظم الذي ستنتهي أشغاله الكبرى نهاية العام الجاري، على أن تُستكمل ورش الشكل النهائي مطلع 2017.
في زيارة عمل وتفقد للمشروع الذي جرى وضع حجره الأساس قبل خمس سنوات، حضر “بوتفليقة” عرض شريط فيديو حول الجوانب التقنية وتقدم الأشغال على مستوى هذا الجامع (يمتد على 27.75 هكتارا قبالة حوض الجزائر) الذي يتموقع كقطب جذّاب ثلاثي الأبعاد سيكون الأكبر في إفريقيا والثالث عالميا بعد المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة.
الرئيس الذي يتابع عن كثب تطور المشروع، استمع إلى شروحات بشأن تقدم الأشغال الكبرى بتسعين في المائة، وتمّ التنويه بإتمام انجاز 33 طابقا لمنارة المسجد من أصل 43 طابقا المقرر انجازها، أما بخصوص قاعة الصلاة فلم يتبق سوى وضع القبة الثانية، بعدما تم الانتهاء من وضع القبة الأولى في أوت الأخير.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية أنّه سيجري في القريب العاجل إطلاق مناقصة وطنية ودولية لاختيار مكتب دراسات ذو سمعة عالمية يشرف على جميع العمليات المتعلقة بالشكل النهائي لهذا المعلم الحضاري لاسيما تلبيس الأرضيات والجدران والزخرفة والنقش والتزيين والتوشيح والتهيئة الخارجية.
وأفادت الوكالة ذاتها على ألسنة مسؤولي وزارة السكن والعمران والمدينة، أنّه جرى إعداد دفتر شروط دقيق يلتزم به مكتب الدراسات الذي سيظفر بالصفقة، على أن يُختار الأخير على أساس خبرته في مشاريع البناء الكبرى.
وفضلا عن المواصفات التقنية للأشغال، يتضمن دفتر الشروط كيفيات اختيار الخطاطين والحرفيين الذين ينفذون المشروع، حيث سيتم منح الأولوية لليد العاملة الجزائرية، علما إنّ لجنة مشتركة بين وزارتي الشؤون الدينية والسكن (نُصّبت في ماي 2015) قامت بإعداد تفاصيل الشكل النهائي وما تحويه من مضامين قرآنية وأحاديث وحكم وأبيات شعر ورسوم وأشكال، وحُسمت الأخيرة غداة “دراسة متأنية تمنح الجامع روحه وهويته المستمدة من الانتماء الحضاري للجزائر”.
واستنادا إلى التقرير الذي رفته اللجنة إياها في أكتوبر 2015، تشكّل مضامين الجامع الأعظم رسالة من الجزائر للعالم ترسم من خلالها ملامح هويتها الثقافية بمختلف أبعادها، كما ستشكل واجهة فنية تحكي عن مختلف الحضارات المتعاقبة في البلاد.
حراك لإنضاج مخطط الأعباء
أشارت وكالة الأنباء الرسمية إلى اجتماع الأوصياء بمنتجي وموزعي الرخام قبل أشهر لدراسة كيفيات توزيع مخطط الأعباء المتعلق بتموين مشروع جامع الجزائر بتلك المادة، وسط سعي القائمين لتغليب مواد البناء الوطنية وتجنّب الاستيراد، تماشيا مع سياسة السلطات العمومية الرامية إلى دعم قدرات الإنتاج المحلية والحد من استنزاف احتياطي الصرف.
وبناءً على ما تقدّم، تم ضبط احتياجات المشروع وإجراء فحص دقيق لقدرات كل متعامل وطني ومنح حصة من مخطط الأعباء لمؤسسات القطاع العام بشكل يغطي قدراتها الإنتاجية بشكل كامل، ويتطلع القائمون على جامع الجزائر لأن يكون قطبا جذابا ذو بعد روحي وثقافي وعلمي يجمع بين الأصالة والمعاصرة لاسيما من خلال نمطه الهندسي المتميز، ليصبح صرحا حضاريا يؤرخ للجزائر المستقلة، ومنارة ترسّخ قيم الاعتدال والوسطية، وتحصّن الجزائريين ضدّ التطرف.
مرجع للمستقبل
يراهن عرّابو جامع الجزائر الأعظم، على جعل الأخير مرجع للمستقبل، تبعا للأدوار التي يُنتظر أن ينهض بها على أكثر من صعيد، ففضلا عن بعده الديني والثقافي والسياحي فإن هذا المشروع سيكون بمثابة مرجع تقني تستفيد منه باقي المشاريع الكبرى في المستقبل حيث يتم فيه استخدام تقنيات بناء جديدة لأول مرة بالجزائر.
وقامت مكاتب هندسة ألمانية “أنغل وزيمرمان” و”كريبس” و”كيفر” بتصميم الجامع بعد منافسة شارك فيها 56 مكتبا متعدد الجنسيات، وقام مكتب الدراسات الفرنسي “إيجيس” ومؤسسة الإنشاءات الصينية العمومية “سي إي سي أو سي” باستخلاف الألمان في أواخر 2015.
ومن الناحية الهندسية، يوصف الجامع بـ “الفضاء المتكامل المتعدد الأبعاد”، حيث يتضمن قاعة صلاة تسع 120 ألف مصل وساحة خارجية ومنارة بطول يقارب 270 مترا ومكتبة ومركز ثقافي ودار القرآن فضلا عن الحدائق وحظيرة السيارات ومباني الإدارة والحماية المدنية والأمن وفضاءات للتجارة والإطعام.
ويعتمد التصميم الهندسي على نمط تقليدي يتميز بحضور قوي للأعمدة (618 عمودا) والتي تنفتح صعودا بطريقة تحاكي انفتاح الأزهار، وتمّ تثبيت معظم الأعمدة ولم يتبق منها سوى عدد بسيط، كما تمّ تثبيت هيكل القبة في انتظار تزيينها، وبين الطابقين الرابع والعشرين للمنارة الأطول في العالم سيتم فتح متحف للفنون والتاريخ الإسلامي مع مركز دراسات في تاريخ الجزائر.
وسيتسنى للزوار الانتقال بين مختلف طوابق المنارة بواسطة مصاعد بانورامية، كما يمكنهم التمتع في الطابق الأخير بمشهد علوي يطل على العاصمة من جانبين بفضل شرف مشاهدة مخصصة لذلك، بجوار مطعم فاخر لخدمة الزوار.
وفي جنوب هذا المعلم، يتواجد مركز ثقافي يشمل مكتبة ضخمة وقاعات عرض سينمائي وقاعة مؤتمرات يمكنها استقبال 1500 مشارك.
أما دار القرآن، فستكون منشأة تؤكد الرسالة الحضارية للجامع وإشعاعها في العالم حيث ستتكفل بتكوين حوالي 300 طالب سنويا من الطور الثالث لما بعد التدرج من داخل وخارج الوطن لتعميق معارفهم في الشريعة والثقافة الإسلامية.
وتمّ منح عناية خاصة للتهيئة الخارجية، حيث سيتم استغلال المساحات الخضراء الموجودة والتي ستنشأ أيضا لخلق جو من السكينة والراحة لزوار هذا الصرح الفريد من نوعه.
ويحتوي الجامع في هذا السياق على 250 عازلا للزلازل مزروعا في أساساته العميقة، وهو ما سيسمح بمقاومة زلزال قوي يفوق 7 درجات على سلم ريشتر بفضل هذا النظام الذي تم تطويره في أكبر المخابر العالمية المختصة في هذا المجال.
ويشرف على المشروع الوكالة الوطنية لانجاز وتسيير جامع الجزائر التي تأسست في 2005، قبل أن يتم نقل الوصاية عليها في نوفمبر 2014 من قطاع الشؤون الدينية إلى قطاع السكن والعمران والمدينة.