الرأي

بوتن “حامل صليب” لغرب مهدد بالانقراض

حبيب راشدين
  • 3693
  • 21

في الوقت الذي كان الطيران الروسي يواصل فيه قتل المسلمين في سورية رغم الهدنة المزعومة، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يحاضر لأكثر من أربع ساعات في ندوته السنوية بمناسبة أعياد الميلاد، مخاطبا الشعوب الغربية المسيحية بتعرية سلوك نخبها التي تكون قد “خانت القيم المسيحية الأصيلة، ورسخت ثقافة منحلة مغالية هدامة هي التي ستقود الحضارة الغربية إلى الانحلال ما لم توقف”.

بمثل هذا الخطاب المسيحي “الأصولي” أراد بوتن أن يسوق نفسه كزعيم منقذ للشعوب الغربية من “فسوق” نخبها، فلم يؤاخذ منظومة العولمة سوى بجريمة “العدوان على السيادة الوطنية، وتحطيم الهوية والتنوع”، ليضيف أن كثيرا من الدول الغربية “قد تنكرت لجذورها المسيحية، وأن أغلبية من الأوروبيين باتت تستحي بالانتماء الديني، فأسقطت كثير من المناسبات الدينية”، ليضيف: “أنا على يقين أنه طريق مباشر للانحطاط والعودة إلى البربرية، مع تفاقم الوضع الديموغرافي حتى إنه ليس بوسع معظم الدول الغربية أن تضمن البقاء لا بالتناسل ولا حتى بمساعدة الهجرة”.

المرافعة ـ كما نرى ـ كانت قوية صادقة في كثير من المواطن، تقول جهرا ما يقوله في السر خيرة عقلاء الغرب المتخوفين من نذر أفول وتراجع الحضارة الغربية، وربما لهذا يستقبل الغربيون اليوم خطاب بوتن بكثير من الترحيب، وربما لأن بوتن يريد أن يسوق نفسه وهذه الحروب التي يشنها في قلب العالم الإسلامي كحالة من “الانتفاضة الغربية المسيحية” في وجه عالم إسلامي يراه محصنا ضد الآفات التي صنفها كأوبئة قاتلة للحضارة.

في مكان ما يستوقفنا “النفس الصليبي النصراني” في خطاب بوتن، وهو يتحسر على ما آل إليه الغرب ـ وروسيا جزء منه ـ قياسا مع عالم إسلامي يراه متماسكا روحيا وأخلاقيا لم تخترقه بعد حضارة الدجال بتفكيك الأسرة الطبيعية وتعويضها بالأسرة المثلية، ولا هو مصاب بآفة تراجع النسل المهدد بانقراض الحضارات، وقد بات المصدر الوحيد لتغطية العجز الديموغرافي الغربي: إما بالهجرة الطبيعية أو بالهجرات التي تنتجها الحروب كتلك التي يقودها بكفاءة بوتن في سورية، ولهذا أعرب بوتن عن “عزيمة روسيا القوية للدفاع عن هذه القيم الغربية المسيحية”. 

لا تثريب أن يتصدى زعيم غربي لما يعتقد أنه يهدد بالانقراض حضارة الأمة التي ينتمي إليها، وقد يجد من بين المسلمين من يشد على يده في الدعوة إلى عودة الغرب لقيمه المسيحية، ويشاركه في إدانة جرائم العولمة التي قضت على الأسرة ومكنت لثقافة المجون وسيادة المثلية، وقد يسر المسلم لعودة الغربيين إلى جذورهم المسيحية، وبإعادة أعمارهم للكنائس، ولن يصنف السلوك كحالة من “الأصولية والتطرف” كما فعل الغرب وبوتن مع المسلمين في قبل العالم الإسلامي بالشام بهدم عشرات المساجد في حلب وحدها، ولن يضيق صدر المسلم بعودة الغرب للإنجاب الطبيعي لولا أن ما تفعله طائرات بوتن وحلفاء أمريكا هو حالة من تحديد النسل وقطعه بالقوة، إلا إذا كان بوتن يرى أن أقصر طريق لتعديل الكفة الديموغرافية بين المسلمين والغرب المسيحي هي بقطع طرف من المسلمين، وتلك قصة كان قد بدأها الغرب منذ حملة البابا أوربان الثاني مطلع الألفية الثانية وربما يريد بوتن تجديد روحها مطلع الألفية الثالثة.

مقالات ذات صلة