-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
نجله مصطفى يروي تفاصيل مثيرة عن حياته للشروق

بوجمعة العنقيس.. صوت عبد الباسط ألهمه، ابتكر “الطقطوقة” والكورال النسوي وأوصى بعدم بناء قبره

الشروق أونلاين
  • 8163
  • 8
بوجمعة العنقيس.. صوت عبد الباسط ألهمه، ابتكر “الطقطوقة” والكورال النسوي وأوصى بعدم بناء قبره
ح.م
المرحوم بوجمعة العنقيس

المتأمل في الأسلوب الغنائي الذي قدمه عميد الأغنية الشعبية الراحل بوجمعة العنقيس يدرك أنه نابع عن رؤية موسيقية متميزة وفكر تلحيني جعله قابلا للحياة والاستمرارية إلى الآن، إنه مشوار فني امتد لسبعة عقود حقق به العنقيس (واسمه الحقيقي محمد بوجمعة) مكانة مهمة إلى جانب عمالقة الشعبي.

بوجمعة العنقيس حالة خاصة أنتجتها عوامل عديدة، فمن أصوله التي تعود لمدينة الفن والثقافة “أزفون” التي أنجبت نخبة من عمالقة الفن، إلى مولده ونشأته في أعرق أحياء العاصمة القصبة، واحتكاكه بشيوخ الفن الشعبي، تلك عوامل ساهمت في تكوين شخصية فنية متميزة شكلت علامة فارقة في تاريخ الفن الشعبي .

الشروق التقت بابنه الأكبر مصطفى بوجمعة، حيث استقبلنا ببيته في العاصمة، ليحدثنا أكثر عن سيرة صاحب رائعة “راح الغالي راح” ويخصنا بالكثير من الجوانب الخفية في حياة الراحل..

 

أحيا أول حفل لعائلة مريم عابد وعُمره 14 سنة..!

يذكر لنا مصطفى أن والده كان مولعا بالعزف على آلة القيثار منذ صباه، حيث كان يلتف حوله أترابه بأعالي سيدي بنور قرب بوزريعة، ويستمتعوا بعزفه المنفرد بعيدا وخفية عن منزل العائلة الكائن وقتها ببولوغين.. إلى أن اكتشف موهبته أحد فناني الحي يدعى “قبايلي” وبعد استشارة والده أحضره ليشتغل في فرقته، ليقدمه فيما بعد في أولى حفلاته سنة 1941 وهو ذو 14 سنة (من مواليد 1927) لإحياء عرس عم المطربة مريم عابد.. هذا الأخير هو من أطلق عليه لقب “العنقيس” من شدة دفاعه عن العنقى وحبه له.. ليرسم بعدها بوجمعة أولى خطواته على عتبة الإبداع الفني.

 

انطلق مع الشيخ الناموس وموح الصغير وآكلي

يواصل محدثنا.. العنقيس بعد ما ذاع صيته صار يحيي حفلات من خلال استئجار عازفي فرقة العنقى حال عدم اشتغالهم من أمثال الشيخ الناموس، موح الصغير، موح أكلي.. وكان الأجر الذي يتقاضاه يوزعه على الأعضاء ولا ينال إلا الفتات، لأن هدفه الأساس وقتها ليس المال بقدر صناعة اسمه وقد كان شعاره “أخدم على اسمك حتى يعلى.. ويولي يخدم عليك”.

 

هكذا نافس العنقى ومريزق ومنور وهو في بداياته

أما عن سر بزوغ نجم العنقيس مبكرا وفي أولى مراحله نال مكانة وسط رواد الشعبي من أمثال الحاج العنقى والحاج مريزق والحاج منور فيعود ذلك – حسب محدثنا – إلى الشكل الجديد “لحنا وأداء” في تقديم “القصيد” أو ما يسمى في الوسط الشعبي بـ”الهوى”، فالعنقيس لم يقع في فخ تقليد الكبار رغم استلهامه منهم، بل خلق لنفسه نمطا غنائيا جديدا من دون المساس بأُطر الأغنية الشعبية يعتمد على التحديث في النغمات والأداء السهل الممتنع والبساطة.

 

أسلوبه الفريد استهوى تلميذه أعمر الزاهي

تميز العنقيس في أداء القصيد بنمط جديد وأسلوب اعتمد على التحديث في النغمات والأداء السهل الممتنع والبساطة، وعدم التنطع في إخراج الحروف، من خلال أدائه قصائد لعباقرة الشعر الملحون المعتق مثل سيدي لخضر بن خلوف وابن مسايب والمجذوب، كما غنى روائع بحجم “الوفاة” و”المكناسية” و”يوم الجمعة” و”الحراز” و”الوحداني”، مؤسِّسا بذلك مدرسة مستحدثة التف حولها الشباب ومشى على نهجها تلميذه أعمر الزاهي، وتأثر بها مطربون آخرون أمثال الهاشمي قروابي وحسن السعيد وعمار العشاب.

 

“شهلة لعياني”.. وقصة أغنية لاتينية في قاعة الأطلس

وعن قصة أغنيته الشهيرة “شهلة لعياني” التي حققت نجاحا جماهيريا طاغيا خلال الخمسينات، ولايزال يعيدها الفنانون ليومنا هذا، فيقول محدثنا إن العنقيس هو من ابتكر هذه الأغنية وقد جاءت فكرتها سنة 1951 عندما كان في سينما الأطلس بباب الوادي فسمع أغنية لاتينية تُدعى

Quizás, quizás, quizás بالإسبانية في فيلم سينمائي.. فتأثر باللحن كثيرا، ليقتبس منه جملا لحنية، ويضع عليها كلمات كان مطلعها “قولو لشهلة لعياني”.. وقد طلب من الراحل عبد الحكيم قارامي تكملة كلمات الأغنية ليشدو بها بوجمعة في الحفلات والأعراس خلال الخمسينات.. وتحقق شهرة منقطعة النظير.

 

رفض طلب بوعلام تيتيش استجابة لجبهة التحرير

بعدها بسنوات طلبت شركة Phillips لإنتاج الأسطوانات وكان مالكها “بوعلام تيتيش” سنة 1956 من العنقيس تسجيلها في استوديو، لكنه رفض استجابة لأوامر جبهة التحرير للمطربين الجزائريين – وقتها – بالامتناع عن الغناء وهو الذي كان في عز نجوميته حيث عمل فدائيا.. ليسجلها الراحل محمد زربوط بصوته..

 

علاقته بمحبوب باتي والباجي ونجاح “داك الخاتم” و”يا بحر الطوفان”

يقول مصطفى إن الأغنية الشعبية التي كانت تسود الشارع الجزائري قبل الاستقلال كانت نابعة من مدرسة “الحاج العنقى” الكلاسيكية والمستلهمة من الشعر الملحون وتعتمد على البيت والصياح.. والمحصورة في الأعراس والمقاهي، غير أن العنقيس كان يحب التجديد خاصة وأن ثقافته الموسيقية كانت واسعة وعالمية، ففكّر في تقديم نمط شعبي عصري “la chansonnette” أو “الطقطوقة” من غير أن تخرج عن قواعد الشعبي أو تفقده روحه، وهذا بالاعتماد على نصوص جديدة بعيدا عن القصيد، تخاطب المجتمع وتحاكي معيشتهم، باستعمال أسلوب مباشر ولغة سهلة ومفهومة مع إدخال آلات عصرية، ففي بداية الستينيات عرض على الراحل محبوب باتي (الذي كان متخصصا في الأغنية العصرية) تقديم هذا الطابع الغنائي فرحب بالفكرة فأثمر التعاون عديد الأسطوانات التي احتوت أغاني ناجحة منها “تشاوروا عليّا” و”لالا مولاتي طولتي الغيبة” و”لالا داويها” وغيرها.. وفي نفس القالب الغنائي قدم مع الباجي: “داك الخاتم”، “سامحيني راني غلطان”، “بحر الطوفان”، “المقنين الزين”.. وغيرها من الأغاني الناجحة خلال الستينات والسبعينات التي لاتزال خالدة في الذاكرة الشعبية ويعيدها جل المطربين حاليا. كما ألف العنقيس نفسه العديد من الأغاني منها “انايا شفاك” و”يا ناس فنات الروح” و”جانا الانتصار” التي مجد فيها أحداث 11 ديسمبر 1960 وغنى كذلك “الطيار الشجيع” في رثاء طيار جزائري استشهد في حرب 73 ضد إسرائيل.. فقد كان العنقيس فنانا شاملا كتابة وتلحينا وعزفا على آلة “الموندول” التي لم تفارقه طوال مسيرته الفنية..

 

رفض “النيو- شعبي” وأول من استعان بالآلات الغربية

وبخصوص ما يسمى “النيو- شعبي” الذي ظهر في أواخر الثمانينات وسرعان مازال – يقول مصطفى بوجمعة – إن والده كان لا يحبذه ويعتبره خروجا عن تقاليد الغناء الشعبي وأفقده أصالته بالكلية.. رغم أن (العنقيس) كان مجددا طوال مشواره، بل يُعد أول فنان شعبي تجرأ على إقحام آلات غربية في فرقته مثل القيثار الإلكتريك والبونغو وطقم الطبول (la batterie)، كما استعان بموسيقى الفلامنكو والتانغو وأخضعها لروح الشعبي من غير أن يفقده روحه الأصيلة.. كما يعد صاحب فكرة وضع كورال نسوي خلف الفرقة الشعبية خلال الخمسينات.. وهو أول من قدم ديو غنائي شعبي مع امرأة من خلال أغنية “يا لي عزيز” سنة 1960 مع المطربة “الوافية”.

 

“العنقيس” لازم “الحاج العنقى” في آخر حياته

قد يُوحي لقب “العنقيس” الذي لازم الراحل محمد بوجمعة طوال حياته والمقتبس عن اسم الحاج أمحمد العنقى أن هناك جوانب فنية كبيرة مشتركة بينهما جمعت بين تلميذ وشيخه.. لكن الحاصل مغاير تماما..

يقول محدثنا – “صحيح العنقيس تأثر في بداياته بشيخ المحافظين الحاج العنقى وكان يدافع عنه بشراسة حتى لُقِّب بالعنقيس، فضلا عن علاقة القرابة بينهما، فالاثنان ينحدران من منطقة أزفون ووالدتهما ابنتا عم، إلا أن والدي سرعان ما خرج عن تقاليد المدرسة الكلاسيكية من غير المساس بقواعدها وروحها، ففضلا عن أسلوبه الجديد في أداء القصيد عمل على التقريب بين الشعبي والشباب في ظل غزو الموسيقى الغربية مثل الروك والبلوز.. فاستحدث ما يسمى بالطقطوقة التي جذبت شريحة الشبان إليها من غير أن يفسد للود قضية بينه وبين العنقى وظلت العلاقة جيدة وخاصة في السنتين الأخيرتين من حياة العميد، حيث لازمه والدي خاصة بعد ما تلقى اتصالا منه أيام مرضه يطلب مقابلته مخاطبا إياه “غير أنت يا محمد اللي نتكا عليك”.

 

صوت عبد الباسط كان يلهمه وأبدع في المديح ورفض أغاني عاطفية

أما عن الجانب الروحي والإنساني للراحل العنقيس، فيذكر مصطفى أن والده كان إنسانا حساسا وجد متواضع ويحب مجالسة البسطاء من الشعب ومحادثتهم، كما أنه كان يعشق صوت القارئ الراحل عبد الباسط وقد تأثر بتلاوته كثيرا، وقد ربّى أبناءه وفق تعاليم الإسلام والتمسك بأخلاقه والابتعاد عن التكبر، وكان يرى أن الجو الذي يسود عالم الفن قد يلهي العبد عن دينه، لذلك كان حريصا جدا على مناجاة ربّه من خلال المديح الديني من خلال “خايف الله”، “يعيا يجي النهار وين الشمس تدرق” وقصيد “ما عليها بواب”.

ويضيف ابن الراحل “حتى في أدائه لأغانيه كان يحترم مراحله العمرية، فكان لا يؤدي بعض الأغاني من نوع “العاطفي” عندما تقدم به السن، ويجد نفسه محرجا في عرس، إن طُلب منه مثلا أداء أغنية “أنتي ناوية ترميني في بير”، كما رفض في أواخر مشواره الفني عروضا من كتاب وملحنين كانت جلها أغان غرامية لا تناسبه، فتنازل عنها لمطربين شباب”.

 

لهذا رفضنا تشييع جنازته من قصر الثقافة

أما عن سبب رفض عائلة عميد الشعبي في سبتمبر الماضي تشييع جنازته من قصر الثقافة وإلقاء النظرة الأخيرة عليه هناك مثلما هو المعتاد مع الفنانين والمثقفين، فعلّل محدثنا ذلك بأن الأمر جاء تطبيقا لوصية المرحوم، فالعنقيس كان لا يحب البروتوكولات ويعتبر نفسه واحدا من الشعب، وكان يردد على مسامعنا مقولة “انا شعبي ونحب الشعب ويدفني الشعب”، بل وصانا قبل وفاته بعدم تشييد قبره أو بنائه، والاكتفاء بوضع علامة لمعرفة مكان دفنه فقط.

 

العنقيس لم يمانع إعادة أغانيه.. ومنتجون عبثوا برصيده !

وفيما يخص رصيد العنقيس الذي تجاوز الـ400 أغنية بين القصيد والطقطوقة، فيقول مصطفى إن والده لم يمانع في أن تعاد أغانيه شرط أن لا تشوَّه ويكون مؤديها فنانا متمكنا من الغناء الشعبي، ولم يكن يهتم للملكية الفكرية رغم أن في بلادنا تجاوزات صارخة لكل معاني حقوق الملكية الفكرية.

 أما الأمر الذي يؤسف عليه حقا – يضيف محدثنا – أن هناك منتجا ناشرا طلب من والدي إعادة تسجيل أغانيه القديمة بطريقة حديثة، فقبل، لكن المصيبة أننا عندما سمعناها عبر الإذاعة اكتشفنا أنه لم يحسن إعادة تسجيلها فقد بدا خلل تقني واضح في الصوت والآلات الموسيقية، وذلك بسبب سوء عملية الميكساج.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • عبد الرحيم

    اللهم ارحم المومنين و المومنات الاحياء منهم و الاموات و يشفي الاحياء و يهدينا و يرزقنا

  • هجرس

    عندنا شعب ::: حين يشرب الخمر يقول صدق الله العظيم يحبون فرنسا يحبون اليهود يحبون العفن يحبون الخبث واذا استفسرتهم قالوا مسلمين انا حيران ياناس اليس الإسلام شيء والعفن شيء آخر
    00000 مرات اشك هل شعب الجزائر يحبون الكفر والفرنسية والعفن حتى اشك واقول هذا الشعب ليس مسلما

  • سيد أحمد

    السيدة مريم عابد لا تزال على قيد الحياة و تعيش حاليا بفرنسا يرجى التحقق من المعلومات قبل النشر

  • abdesselam

    كلمة حق بارك الله فيك

  • abdesselam

    رحمه الله لكن الموضوع تافه لا معنى له وكأن القرآن والغناء نفس الشيئ

  • بدون اسم

    من ألهمه صوت الشيخ عبد الباسط "رحمه الله " فليتبع طريقه و طريق الحق, لا طريق مزمار الشيطان وما لا يرضي الله.

  • رضوان

    تعليم الأجيال بمزمار الشيطان سبحان الله

  • محمد

    الله يرحم سي بوجمعة كان انسان وفنان تتعلم الاجيال ليس فقط من فنه بل من خلال سيرته واخلاقه وتواضعة