الرأي

بوسعادة تحتضن المنطق الضبابي!

نظمت المدرسة العليا للأساتذة-بوسعادة يوم 30 نوفمبر حدثا بارزا تمثّل في تنظيم الملتقى الوطني الأول حول التحليل الرياضي والجبر، وهو ملتقى جمع نخبة من الأساتذة الباحثين وطلبة الدكتوراه من 15 مؤسسة جامعية وطنية. سمحت التظاهرة بتلاقح الأفكار بين مجالات رياضية متعددة تتراوح بين الجوانب النظرية البحتة والتطبيقات العلمية المتقدمة. وقد تميّزت بتنوّع المواضيع المطروحة رغم قصر مدته إذ خاض في المنطق الضبابي، إضافة إلى بحوث حديثة تربط بين المتتاليات ونظريات التعمية (التشفير)، مما يعكس نشاطا إيجابيا في هذا الموضوع بالبلاد. كيف لا وفي شهر نوفمبر وحده لاحظنا تنظيم العديد من الملتقيات الرياضياتية في مؤسساتنا الجامعية، منها مؤسسات المسيلة والوادي (ملتقيان) وأدرار ووهران والعلمة وكذا ملتقيان دوليان أحدهما في جامعة باتنة والآخر في جامعة تمنراست حيث أقيمت أيضا مراسيم تقديم جائزة موريس أودان في الرياضيات لمن فاز بها.

أربعون مداخلة خلال يوم واحد!

انطلق الملتقى بجلسة افتتاحية قدّم فيها المنظمون رؤيتهم حول أهمية الجمع بين التحليل الرياضي والجبر في ملتقى واحد، إذ يشكّلان معاً أحد الأسس الصلبة للرياضيات الحديثة. وبعد ذلك، بدأ البرنامج العلمي بثلاث محاضرات رئيسية شكّلت الإطار النظري العام للملتقى. وكان الملمح الأبرز في المحاضرات الافتتاحية تخصيص محاضرتين كاملتين لثنائية المجموعات الضبابية والمنطق الضبابي للأستاذين عبد العزيز عمرون (جامعة المسيلة) ومحمد بوضياف (المدرسة العليا للأساتذة-القبة). أما المحاضرة الثالثة فكانت للأستاذ أحمد آيت مختار (من مدرسة القبة) تناولت تطبيق نوع معين من المتتاليات في علم التعمية (التشفير)، وهو موضوع ذو أهمية في العصر الرقمي والأمن السيبراني وهندسة المعلومات.

بعد هذه المحاضرات، انتقل الملتقى إلى مرحلة المداخلات المتوازية، حيث تم تنظيم أربع جلسات متوازية ضمت في مجموعها أكثر من 40 مداخلة. وقد سمح هذا التنظيم بإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الباحثين لتقديم أعمالهم في ظروف مناسبة.

لا شك أن الملتقى نجح في أن يكون فضاءً علميا حقيقيا لتبادل المعرفة والتجارب لولا قصر المدة التي منحت لكل مداخلة. فمن خلال المزج بين المواضيع النظرية والتطبيقية، فتح منظمو الملتقى الباب أمام نقاشات كثيرة ومتشعبة. ومن جهة أخرى، فإن حضور المؤسسات الجامعية وتفاعل الباحثين الشباب، خصوصا طلبة الدكتوراه، منح الملتقى قيمة إضافية.

المنطق الضبابي يتخطى الأبيض والأسود

يُعدّ المنطق الضبابي أحد أهم التطورات الحديثة في الرياضيات التطبيقية. وقد نشأ بهدف التعامل مع الظواهر التي لا يمكن وصفها بدقة تامة عبر منطق “صحيح/خطأ” التقليدي (المعروف بمبدأ “الثالث المرفوع”). فجميع الأنظمة الطبيعية والاجتماعية تقريبا تنطوي على درجات مختلفة من عدم اليقين أو الغموض، وهو ما يجعل المنطق الكلاسيكي عاجزا عن تمثيلها بدقة. هنا يظهر المنطق الضبابي باعتباره منهجا يسمح بإعطاء قيم تتراوح بين الصفر والواحد بحيث لا يكون الحكم قاطعا، بل يزوِّد بـ”درجة” من الانتماء أو الصحة.

ففي المنطق التقليدي، تنتمي العناصر إمّا إلى مجموعة معينة أو لا تنتمي إطلاقا، بينما تقوم المجموعات الضبابية على فكرة السماح بانتماء جزئي. وهذه المرونة تجعل المنطق الضبابي مناسبا لتمثيل الأحكام البشرية اليومية، عند الحديث مثلا عن “الحرارة مرتفعة” أو “السرعة الكبيرة”، وهي تعبيرات يصعب تحديدها بشكل رياضي صارم دون أدوات ضبابية. فلا تستغرب إن وجدت هذا المفهوم يدخل من الباب الواسع في علوم اللسانيات… ذلك ما فاجأنا قبل شهور في أعمال المجمع الجزائري للغة العربية التي هي قيد الانجاز.

ومبتكر هذا المنطق هو المرحوم لطفي زادة (1921-2017) الأذري الأصل، الذي يعدّ مؤسسه الفعلي حين أدخل عام 1965 مفهوم “المجموعات الضبابية” فشكّل ذلك البحث أساسًا رياضيًا لتمثيل الغموض في البيانات والمعرفة. ثم شهد عقد السبعينيات تطبيقات أولى لهذا النهج. ففي عام 1970 تم تصميم نظام معلوماتي يستخدم المنطق الضبابي لاتخاذ القرارات في مجالات مثل الطب والتجارة. وفي عام 1974، ظهرت تطبيقات صناعية لهذا المنطق.

وتوالت التطورات لاحقًا حيث قام الباحثون اليابانيون عام 1985 بإنتاج أول أجهزة ذكية موجهة للمجتمع تعتمد على المنطق الضبابي، مما ساهم في انتشاره عالميًا. وفي التسعينيات، توسّع استخدام المنطق الضبابي بشكل كبير في معالجة الأنظمة المعقدة والذكاء الاصطناعي. كما دخل مجالات جديدة مثل الاحتمالات والإحصاء وحتى الدراسات الشرعية. وتشير بعض الأرقام إلى أن عدد البحوث المنشورة عنه فاقت 53 ألف بحث، ووصل عدد براءات الاختراع المرتبطة به إلى أكثر من 6000 براءة حسب إحصائيات ظهرت عام 2015 بمناسبة مرور نصف قرن على ظهور هذا المنطق.
لذلك خَصّص منظمو الملتقى جلسة متكاملة ضمن الجلسات المتوازية الأربع للمنطق الضبابي وتطبيقاته، ضمّت ثماني مداخلات ركزت على تطبيقات المنطق الضبابي في اتخاذ القرار، والذكاء الاصطناعي، وتقييم المخاطر، والنمذجة الصناعية، وتحليل البيانات غير المكتملة.

مساهمة لافتة لطلبة دكتوراه الجامع الكبير

من أبرز ما ميّز الملتقى أيضا هو الحضور العلمي النوعي لطلبة الدكتوراه القادمين من جامع الجزائر بالعاصمة، الذين بلغ عددهم سبعة طلبة. وقدّم معظمهم مداخلات متميزة تمحورت حول تاريخ الرياضيات العربية الإسلامية، وهي أعمال تندرج ضمن إعدادهم لأطروحاتهم في هذا الصرح الديني والحضاري الكبير. ويأتي هذا المسار البحثي ليعيد الاعتبار لإسهامات العلماء المسلمين في تطوير الجبر والهندسة وعلوم البحار. كما ينبهنا إلى الدور المحوري الذي أدته المدارس العلمية القديمة في تطوير مفاهيم ما تزال حاضرة في الرياضيات الحديثة. وفي هذا السياق، شارك الأستاذ المخضرم مقتدر زروقي بتقديم نَظْم لأبي إسحاق التلمساني (ت. 690هـ) حول الجبر.

لقد شكّلت مداخلات هؤلاء الطلبة إضافة لافتة للملتقى لأنها لم تقتصر على الطرح الرياضي المعاصر، بل انفتحت على قراءة تاريخية ونقدية. كما أن مشاركة طلبة جامع الجزائر تعكس حركية علمية من نوع آخر فاجأت أكثر من مشارك، إذ يعمل هذا الصرح على تشجيع الأبحاث العابرة للتخصصات، باعتباره فضاء يجمع بين الدراسات التراثية والعلوم الحديثة. وهكذا أظهر الطلبة مستوى أكاديميا واعدا، ووعيا بأهمية ربط الماضي بالحاضر وبضرورة بناء جسور معرفية بين التراث الرياضي العربي الاسلامي والمسارات الحديثة للبحث في العلوم المعاصرة.

الرياضيات في الجزائر ليست “مجموعة خالية”

في ضوء ما شهده هذا الملتقى، يمكن القول إنه شكّل محطة مهمة تؤكد مرة أخرى أن الرياضيات في الجزائر ليست مجموعة خالية ولا مساحة ضبابية، بل مجالا حيّا وفعّالا يحتاج رغم ذلك إلى مزيد من المثابرة والتنسيق بين مختلف الفاعلين. فمن اللافت -كما أسلفنا- أنّ شهر نوفمبر وحده ضمّ ما يزيد عن عشرة ملتقيات في الرياضيات عبر جامعات الوطن، وهو رقم يعكس وجود حركية علمية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن الحاجة الملحّة إلى توزيع أكثر توازنا لهذه الفعاليات على مدار السنة الجامعية بما يسمح بمتابعة أفضل ويضمن مشاركة أوسع ويعزّز جودة المخرجات العلمية.

ومهما يكن من أمر، فإن هذا الزخم من اللقاءات العلمية بين الباحثين وطلبة الدكتوراه يظل ذا أثر إيجابي واضح في تكوينهم وتشجيعهم على الاندماج في مجتمع البحث.

لقد كان هذا الملتقى مثالا حيّا على التفاعل بين النظرية والتطبيق، وعلى رغبة الباحثين في استثمار التاريخ العلمي الثري وبناء جسور متينة تربط بين الماضي والحاضر، وبين الجامعات والمؤسسات البحثية عبر مختلف ولايات الوطن. ولذلك لا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون الإشادة بالجهود الكبيرة التي بذلها المنظمون، فقد عملوا باجتهاد وتنسيق لضمان سير التظاهرة في أفضل الظروف.

مقالات ذات صلة