“بوعلام زيد القدّام”..حينما يكون التّقدّم ضرورة وليس اختيارا
عاش عشّاق الفنّ السّابع بقاعة السّنيماتيك ببجاية، السّبت 28 سبتمبر، لحظات لن تنسى وسوف تبقى عالقة في الّذاكرة، حيث غصّت القاعة بالجمهور الحاضر الّذي توافد من أجل حضور “بوعلام زيد القدّام” للمخرج موسى حداد، بعد أربعة وأربعين سنة من الضّياع إن صحّ التّعبير، والّذي أنتج سنة 1980، وهذا بعد مجهود كبير من طرف القائمين على هذه اللّقاءات، وهو ما يحسب لهم كطاقم يوثّق الكثير من الأعمال و يضعها تحت تصرّف عشّاق السّينما، واسترجاع هذه النّسخة من ألمانيا. عمل صفّق له الحضور طويلا في أغلب اللّحظات والّتي لامست السّاعة والنّصف من الزّمن.
بين من يريد التّقدّم وبين من يريد الرّجوع للخلف، دار الحوار بين هذين الشّخصين، في الصّحراء، بعيدا عن الضوضاء، تقسّما خلالها الكثير من المعطيات في تلك الفترة كلّ على حدّ فكره ومستواه وخلفيته وهما يجرّان عربة بطيئة نحو الأمام. بين من يريد الذّهاب إلى مدينة جديدة بعدما كره وسئم العيش في جلباب الّذين سبقوه في هذه المدينة، أي الحالم الّذي يحمل في ذاكرته الكثير من ذكريات الثّورة ويعتقد أنّ الاشتراكية هي الحلّ الأنسب وهو “بوعلام”، وبين من يريد الإبقاء على الوضع الحالي خوفا من المستقبل، وكذا الالتزام بما هو موجود في الكتب الّتي يحملها معه ويرى أنّ الأشخاص يجب أن يسيروا وفق ما يطلب منهم من طرف قائدهم وهو “السّكفالي”. لقد استطاع موسى حداد أن ينقل الحاضر والمستقبل في هذا العمل، والصّراع الأزلي الّذي يبقي وسوف يبقى، حينما يتعلّق الأمر بالمصلحة الشّخصية وليس العامة، والتّعلّق بالخطابات الّتي تجاوزها الزّمن، حتّى يلقى مصيره وهو على ذلك الحال، دون السّعي للتّغيير.
أثّث كاتب السّيناريو، سلميان بن عيسى، الحوار جيّدا ونقل على لسان الممثّلين الكثير من المعاناة في قالب فكاهي ظاهرا، لكنّه يحمل في طيّاته الكثير من الألم من الوضع الرّاهن والخوف من المستقبل. ليخلص في كلّ هذا إلى أمر مريب وهو عدم التّوافق في الفكر والسّلوك، الّذي يخلق دائما جدلا خارج إطار النّقاش الجاد من أجل النّهوض بالوطن. نقاش تغلبه الأنّانية وحبّ الذّات، حتّى ولو كان على حساب الآخرين. كانت ساعة ونصف من الزّمن، كافية لنقل الكثير من الحقائق في تلك الفترة، والّتي مازالت إلى حدّ السّاعة، الاجتماعية والسّياسية والاقتصادية، فقد اختلف الزّمن وبقيت الممارسات نفسها. لينتهي المشهد بتقدّم “بوعلام” في وسيلة أخرى وهي الشّاحنة، بعدما تخلّى عن العربة، وهذا حينما لقي “السّكفالي” حتفه، وهو يدافع عن فكرته، على غرار ضرورة الحفاظ على الهوية وعدم الانسلاخ منها، وحبّ الأجداد في صورة تعكس النّظر دائما للخلف و العيش على أفكار الماضي، في حين يرى “بوعلام” أنّ حبّ الأجداد واجب لكنّه من الماضي، لذا يجب حبّ الأولاد لأنّهم هم المستقبل مهما كان، أيّ ليس بالضّرورة أنّنا حينما نريد التّقدّم للأمام، سوف ننسى الأجداد في رمزية للماضي.