الحاج رحيم.. رحلة إبداع من سركاجي إلى دايم الله
الحاج رحيم عملاق من عمالقة الإخراج في الجزائر، ورائد في برامج سبقت زمانها، مبدع في نظرته السينمائية ودقيق في وصف الحالة الإنسانيةـ بالصوت والصورة. اسم خالد في الفن الجزائري، نسرد سيرته الذاتية ورحلته الإبداعية، ولا تفزعوا إن قلنا إن الأمر ليس إلا كاميرا خفية.
وُلد الحاج رحيم عام 1934. في بداية مشواره غادر الجزائر، متوجهًا إلى باريس في خمسينيات القرن الماضي، حيث اكتشف في عاصمة الجن والملائكة عالم الأضواء والكواليس. كان منهمكا في التعلم والتكوين، من خلال كل منصب شغله، أهمها منصب مدير الإنتاج.. في فرنسا، اكتشف جانبا آخر من النضال، من عقر دار العدو، وانخرط فيه دون تردد.
عراب الكاميرا الخفية
بعد عودته، أخرج الحاج إبراهيم أول برنامج اجتماعي، بتقنية الكاميرا الخفية، عام 1970. وكانت أول تجربة ترصد أغوار الجزائريين. بموارد تقنية ومادية محدودة، نجح بفضل إبداعه وخبرته في أن يطلق موضة رافقت المشاهدين طيلة الشهر الفضيل، على مدار عشرات السنين.
كان الحاج رحيم يعيش المقالب خلف الكاميرا وأمامها. فلم يكن يتردد في الظهور في برنامجه، يستفز ويغضب ويراوغ في صيغة لم يقلده فيها أحد، رغم مرور أكثر من خمسين سنة.
عام 1973، ظهر اسمه في جنريك فيلم أيقوني، هو عطلة المفتش الطاهر، كمساعد مخرج، إلى جانب العملاق موسى حداد.
بعد الكاميرا الخفية، انتقل الحاج رحيم إلى مستوى فني أكثر نضجا، مترجما سيناريوهاته إلى أعمال خالدة، مثل فيلم رحلة شويطر عام 1980، بطولة الممثل الراحل حسن الحسني. يروي هذا الفيلم قصة عائلة فلاحية، تترك الريف إلى المدينة، فتستسلم لإغراءاتها. ليس كل ما يلمع ذهبا، حين تقرر العائلة العودة إلى الدوار، تصاب بخيبة أمل ثانية، بعد أن تغير كل شيء في غيابهم، ووجدوا أنفسهم غرباء هنا وهناك.
عام 1981، أخرج الحاج رحيم فيلما سينمائيا صار من تحف السينماتيك الجزائرية، وهو خود ما اعطاك الله، من بطولة الممثل الراحل مصطفى العنقى ووردية حميطوش، العمل الذي رسخ شخصية دايم الله إلى الأبد في أذهان الجزائريين.
مخرج يفتح الملفات
من أقوى الأفلام التي قدمها الحاج رحيم في مسيرته الطويلة، فيلم “سركادجي”، عام 1982، وحين عُرض عام 1985، أثار جدلاً واسعا بين سجينات سابقات محكوم عليهن بالإعدام، وشكّلت شهاداتهن عن التعذيب والحرمان وسوء المعاملة ومقاومتهن أساس فيلم حسن بوعبد الله، “بربروس أخواتي”.
فترة الزخم
عام 1986، شكل مرحلة حاسمة في حياة المخرج المخضرم حاج رحيم، تزامنا مع إعادة هيكلة الإذاعة والتلفزيون الجزائري، فانضم حينها إلى المؤسسة الوطنية للإعلام والفنون. وتعد الجهة المسؤولة عن إنتاج المحتوى التلفزيوني الوطني. وهناك أخرج أفلاماً مثل “نهاية جرح” عام 1992، و”الصورة” عام 1994، ومسلسل “حكايات الناس” عام 2005.
التمرة والعرجون
توفي الحاج رحيم في 13 جانفي 2017، عن عمر ناهز 83 عامًا، إثر نوبة قلبية.
رحل المخرج الكبير حاج رحيم مخلفا وراءه إرثا سينمائيا لا يستهان به، لكن، رغم إسهاماته الجليلة في المشهد السمعي البصري الجزائري، لم يحظ بأي تكريم رسمي من التلفزيون الوطني، باستثناء تقرير خلال جنازته، أعرب فيه موسى حداد وأحمد بجاوي عن أسفهما لهذا الإغفال.