المخدرات والأمنُ القومي الجزائري
لم تعد ظاهرة الاتجار بالمخدرات في المفهوم الأمني الحديث مجرد نشاط إجرامي عابر للحدود يسعى لتحقيق الربح السريع، بل تحولت في العقد الأخير إلى واحدة من أخطر أدوات “الحروب الهجينة” و”الحروب اللامتماثلة” التي تستهدف تقويض ركائز الدول من الداخل. بالنسبة للجزائر، يتجاوز ملف المخدرات حدود المقاربة التقليدية؛ ليدخل في صلب العقيدة الأمنية للدولة، وهو ما تجسد في إطلاق “الإستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية (2025- 2029)”، التي اعتمدها مجلس الوزراء في أفريل 2025، كخارطة طريق شاملة تجمع بين الوقاية، والعلاج، والردع، لمواجهة سلاح يضرب الاستقرار ويستنزف القدرات الدفاعية والاقتصادية.
لقد انتقلت الجزائر، وفق ما تظهره المؤشرات العملياتية الأخيرة، من تصنيف “دولة عبور” إلى “دولة مستهدَفة” بشكل مباشر ومنهجي؛ إذ تكشف بيانات الإستراتيجية الوطنية عن تطور خطير في طبيعة التهديد، لاسيما الانفجار في الكميات المحجوزة من المؤثرات العقلية، والتي تضاعفت بأكثر من خمس مرات في السنوات الأخيرة، وكذا تزايد محجوزات الكوكايين والهيروين بشكل أقل. إننا أمام “إرهاب صامت” وتطويق يحاصر البلاد من جهاتها الأربع وبوابات جوها، في حرب تهدف إلى تعطيل قوة الشباب، القوة الحيوية للأمة، وكذا تمويل شبكات الإجرام والنشاطات التخريبية في المنطقة الأمنية الرخوة بالساحل.
تطرح هذه المعطيات تساؤلا جوهريا: كيف تواجه الجزائر هذا “التطويق بالسموم” عبر حدودها الملتهبة في ظل الإستراتيجية الوطنية الجديدة؟ وكيف تتشابك مصالح بارونات المال القذر مع أجندات تستهدف السيادة الوطنية والأمن المجتمعي؟
أولا: خارطة السموم وخارطة الجغرافيا
تخضع الجزائر لما يمكن وصفه بـ”التطويق الجيوسياسي بالسموم”، وهو ما تصفه الإستراتيجية الوطنية بالتهديدات متعددة الأوجه؛ إذ يجري استغلال كل واجهة حدودية لتمرير أصناف من المواد المخدِّرة، مما يحوِّل الحدود إلى جبهات تهديد متعددة المهام، تهدف إلى استنزاف الدولة والمجتمع:
- القنب الهندي: التهديد “المقنن” عبر الحدود الغربية
يظل القُنَّب الهندي (الكيف المعالَج) السم التقليدي الأكثر استمرارية في تدفقه عبر الحدود الغربية. وقد اكتسى هذا التهديد طابعا أكثر خطورة بعد تقنين زراعته في المغرب سنة 2021، ما أدى إلى وفرة في الإنتاج وتطوير في أساليب التهريب. وتشير بيانات الديوان الوطني لمكافحة المخدرات إلى انخفاض سنوي في محجوزات القُنَّب بنسبة 20%، وهو مؤشرٌ يفسره المحللون بتغير تكتيكات المجرمين بعد اليقظة الدفاعية العالية التي أبداها حرس الحدود ومختلف المصالح الأمنية. ولم تكن محاولات الاختراق بعيدة؛ ففي جانفي 2026، تمكنت مصالح الجيش الجزائري من إحباط محاولة تهريب ضخمة لـ8 قناطير من القنب الهندي بمنطقة بشار، في عملية نوعية أسفرت عن القضاء على ثلاثة مهربين مسلحين مغاربة واعتقال الرابع. هذا التدفق المنهجي لا يسعى إلى الربح المالي فحسب، بل يهدف إلى إغراق الساحة الوطنية بهذه السموم كأداة في حرب الاستنزاف.
- الكوكايين: اختراق السيادة البحرية شمالًا
تمثل المخدرات الصلبة، وعلى رأسها “الكوكايين”، التهديد القادم من الواجهة البحرية الشمالية. وتكشف الوثيقة الرسمية للإستراتيجية الوطنية عن تطور مخيف؛ إذ بلغت المحجوزات ذروتها من 2019 إلى 2024 بتسجيل أكثر من 1054 كلغ في سنة 2024. في حين تبقى قضية حجز “7 قناطير من الكوكايين” (قضية البوشي سنة 2019) واحدة من العمليات الكبرى التي أحبطتها القوات البحرية، إذ كانت الشحنة مخبأة بإحكام داخل حاوياتٍ للُّحوم المستورَدة. تعكس هذه الحادثة ما يحمله البحر الأبيض المتوسط -الذي يمثل قلب العالم- من تهديدات أمنية عبر محاولات الاختراق التي تقودها شبكاتٌ دولية تسعى إلى ضرب السيادة الوطنية عبر المنافذ الحيوية.
- البريقابالين: “التسونامي” الأحمر عبر الحدود الشرقية
تشهد الجبهة الشرقية، خاصة عبر المسالك الليبية، غزوا حقيقيا لأقراص “البريقابالين” (المؤثرات العقلية المعروفة بـ”الصاروخ”). وتؤكد بيانات الديوان الوطني لمكافحة المخدرات أن هذا الصنف عرف انفجارا غير مسبوق بتضاعف المحجوزات بخمس مرّات لتصل إلى 33 مليون قرص في 2024. وفي فيفري 2026 أحبطت قوات الأمن عملية تهريب شاحنتين بمجموع يقارب 8 ملايين قرص مهلوِس، ما يعكس حجم الاستهداف والترويج لضرب الأمن المجتمعي. وتؤكد القراءات التحليلية أن مصدرها معامل سرية في ليبيا تفتقر لأي منشأ رسمي، وتشتغل في ظل وضع الصراع القائم، ويجري تمويلها عبر “المال الوظيفي” المرتبط بالإمارات، التي تحولت إلى عراب للخراب أينما حلت وارتحلت.
- الجنوب: المخدرات متعددة النوع والمصدر
في الجنوب والجنوب الشرقي (منطقة الساحل)، لا يقتصر التهديد على نوع واحد، بل يمتد ليشمل “مزيجا من السموم” (حشيش، وكوكايين، ومؤثرات عقلية). تكمن خطورة هذه الجبهة، كما تصفها العقيدة الأمنية والخطط الإستراتيجية، في الارتباط العضوي لشبكات التهريب مع الجماعات المسلحة؛ إذ تُقايض السموم بالسلاح، وتتحوَّل رمال الصحراء إلى ممرات لتمويل النشاطات التخريبية التي تستهدف استقرار الدولة الجزائرية وعمقها الإفريقي.
- البوابات الجوية والسموم العابرة للقارات
لم تكتفِ شبكات الإجرام الدولية بالمسالك البرية والبحرية، بل ظلت البوابات الجوية هدفا لها؛ إذ تتمكن المصالح الأمنية من شرطة الحدود والجمارك في كل مرة من إحباط عمليات تهريب نوعية في رحلات قادمة من مختلف القارات. وبينما سجلت محجوزات الحشيش (القُنَّب الهندي أو ما يطلق عليه لكيف المعالَج) تراجعا عبر الجو، شهدت المهلوسات والمخدرات الصلبة (الكوكايين، والهيروين بنسبة أقل) تزايدا مطردا؛ إذ تعددت الأساليب بين الإخفاء في الأمتعة وابتلاعها داخل الأحشاء. لكن ما يُسجَّل، وبحسب مؤشرات الإستراتيجية الوطنية، أن المطارات عرفت تراجعا كبيرا للظاهرة لسببين جوهريين: أولهما اليقظة التقنية والرقابة الصارمة، وثانيهما محدودية الشحنات الجوية مقارنة بالأطنان وملايين الأقراص التي تراهن شبكات الإجرام على تمريرها عبر الحدود البرية الواسعة أو الشحنات البحرية الضخمة.
ثانيا: تداعيات “حرب السموم” على الأمن القومي والنسيج المجتمعي
إن التهديد الذي تشكله المخدرات بالنسبة للجزائر لا يتوقف عند حدود التماس الجغرافي، بل يمتد ليصل إلى قلب المؤسسات الحيوية والأسرة الجزائرية، وهو ما تضعه الجزائر في صلب اهتماماتها؛ محولةً هذه الظاهرة إلى معركة وجودية في العمق الوطني تتداخل فيها عدة أبعاد إستراتيجية:
- “الناركو–إرهاب“: السلاح المموَّل بالسموم
تمثل العلاقة العضوية بين بارونات المخدرات والجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء التحدي الأمني الأبرز؛ فهذه التجارة القذرة أصبحت “البنك المفتوح” الذي يموِّل النشاطات التخريبية؛ إذ تُقايض السموم بالسلاح، وتُستخدم أرباحها في تجنيد المرتزقة وشراء معدات لوجستية متطورة لمحاولة اختراق الحدود. وبذلك، فإن كل قرص مهلوس أو شحنة حشيش أو كيس كوكايين ينجح في المرور، يتحول مباشرة إلى “عملية” موجَّهة لإعطاب أمن الحدود، وهو ما يجعل مكافحة العرض (عرض المروِّجين) وفق الإستراتيجية الوطنية ضرورة أمنية قصوى.
- استهداف الخزّان البشريوتفتيت البنية الاجتماعية والتربوية
تستهدف هذه الحرب المنهجية فئة الشباب، وهي القوة الحيوية للأمة، لتحويلها من طاقة بناء إلى عبء ثقيل، إذ يتعدّى أثر السموم التعطيلَ الذهني ليصل إلى تدمير النسيج المجتمعي والتربوي، وهي الجبهة التي تسعى الجزائر إلى تحصينها عبر محور “تقليص الطلب” (طلب المستهلكين):
– تدمير المسار التربوي: من خلال التسبب في ضعف التحصيل العلمي وتفاقم ظاهرة التسرب المدرسي الحاد، ما يدفع بالتلاميذ إلى التخلي عن مقاعد الدراسة والارتماء في أحضان الشارع في سن مبكرة.
– تغذية شبح البطالة: عبر قتل الدافعية للعمل والإبداع، وتحويل الشباب نحو “اقتصاد الجريمة” والربح السريع والمشبوه، ما يستنزف الاقتصاد الوطني.
– تفكيك الروابط الأسرية: إذ ترتبط المخدرات طرديا بارتفاع مخيف في حالات الطلاق وتشتت العائلات، ما يضعف الرقابة الأبوية ويخلق بيئة خصبة لانحراف الأحداث.
– تهديد التوازن الديموغرافي: عبر عزوف الشباب عن تكوين أسر، ما يؤدي إلى ارتفاع سن الزواج، ومن ثمّ إلى لا توازن وشيخوخة مجتمعية في الأفق المنظور.
- استنزاف الاقتصاد ومنظومة الصحة العمومية
تمثل المخدرات ثقبا أسود للاقتصاد الوطني؛ فهي تسبّب نزيفا حادّا للعملة الصعبة التي تُهرَّب لتمويل هذه التجارة السوداء، بالإضافة إلى التكاليف الباهظة التي تتحملها الدولة، وهو ما أفردت له الجزائر عبر إستراتيجيتها الوطنية محورا كاملا يتعلق بـ”العلاج وإعادة الإدماج” لتقليل الكلفة الصحية والاجتماعية، والضغط على المنظومة الأمنية والقضائية التي تكرس جهودا مضاعفة لملاحقة شبكات الترويج وعصابات الأحياء المرتبطة بها.
- “المال الوظيفي” والمشروع الصهيوني: تخدير الشباب لضرب النهضة
تتقاطع أجنداتُ التهريب مع محاولات اختراق الجبهة الداخلية عبر ما يعرف بـ”المال الوظيفي”، إذ تشير التحليلات الأمنية العميقة إلى الدور المشبوه للمال الإماراتي في تمويل مختبرات إنتاج المهلوِسات في مناطق النزاع بالجوار الليبي. إن هذا المال يعمل “وظيفيا” في خدمة المشروع الصهيوني الرامي إلى تخدير الشباب الجزائري، وتعطيل طاقاته عن التفكير في قضايا الأمة الكبرى أو المساهمة في نهضتها. هي حربٌ ناعمة تعتمد على السموم، وتهدف إلى تحويل جيل كامل من قوة مقاومة وبناء إلى كتلة مستهلِكة فاقدة للوعي، مما يسهِّل تمرير مشاريع الهيمنة وتفتيت قوى الممانعة في المنطقة، وعلى رأسها الجزائر بمواقفها السيادية الثابتة مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
إن إغراق الأحياء الشعبية والأوساط المدرسية والجامعية بهذه الآفات يهدف بوضوح إلى خلق جيل فاقد للإدراك، غارق في الأزمات النفسية والاجتماعية، وهو ما جعل الإستراتيجية الوطنية تضع الوقاية الأولية أولويةً لضمان عدم سقوط الشباب في فخ الأجندات الخارجية.
ثالثا: المقاربة الجزائرية: رؤية 2025-2029
أمام هذا الحصار متعدد الأوجه والأجندات الخارجية المعادية، تبنَّت الجزائر إستراتيجية شاملة تتجاوز البُعد الأمني الضيِّق لتشمل حماية السيادة الوطنية في أبعادها الشاملة، وهو ما تكرِّسه عبر:
- الردع العسكري واليقظة العملياتية (تطويق العرض):
يضطلع الجيش الجزائري، بالتنسيق مع مختلف المصالح الأمنية من شرطة ودرك وجمارك، بدور “الدرع الحصين”، فمن خلال تكثيف المراقبة الحدودية واستخدام تقنيات الرصد الحديثة، ومراقبة الطرق والمسالك بصرامة، يجري تبني إستراتيجية يقظة عالية لمحاصرة شبكات الترويج. وقد أثبتت العملياتُ النوعية قدرة احترافية في تفكيك الشبكات الدولية، وتسجل الحصائل اليومية حجز كميات ضخمة تصل إلى الأطنان من القُنَّب الهندي، والقناطير من الكوكايين، والملايين من الأقراص المهلوسة (خاصة البريقابالين التي تجاوزت محجوزاتها 33 مليون قرص). وتشدد الإستراتيجية الجديدة على “عصرنة” هذه المواجهة عبر الرقمنة وتبادل المعلومات اللحظي لإحباط وصول السموم إلى التجمعات السكانية.
- تحصين الجبهة القانونية والقضائية:
قامت الجزائر بتحديث ترسانتها القانونية لتواكب تطور الجريمة المنظمة، وعلى رأسها القانون رقم 23-05؛ إذ جرى تشديد العقوبات لتصل إلى المؤبد والإعدام. وتعزِّز الإستراتيجية الوطنية هذا المسار عبر تفعيل دور “الديوان الوطني لمكافحة المخدرات” كمهندس للسياسة الوطنية ومكلف بالمتابعة والتقويم، مع إسناد القضايا الكبرى لـ”القطب القضائي المتخصص”. كما تبرز القوة القانونية في تفعيل “قانون مكافحة تبييض الأموال” لمصادرة ممتلكات البارونات وتجفيف منابع “المال الوظيفي”، بالإضافة إلى استحداث نظام “الوصفة الطبية الإلكترونية” للتحكُّم الرقمي في مسار الأدوية ذات الخصائص المؤثرة عقليا ومنع تسريبها.
- الأمن الصحي وتحصين الوعي المجتمعي:
تدرك الدولة الجزائرية أن المواجهة الحقيقية تبدأ من الوعي، لذا وضعت في الإستراتيجية الوطنية محورا عنونته بـ”تقليص الطلب” كركيزة أساسية لهذه الإستراتيجية، وذلك من خلال:
– العمل الوقائي التشاركي: الذي يشمل قطاعات التربية والإعلام والشؤون الدينية، مع إشراك المجتمع المدني كشريك استراتيجي في ميدان التوعية.
– التكفل الطبي والإدماج الاجتماعي: عبر جهد صحي جبار في مراكز علاج الإدمان التي تسعى لاستعادة الضحايا (باعتبارهم مرضى لا مجرمين) وإعادة دمجهم في النسيج الوطني، وهو ما يعكس الجانب الإنساني والسيادي في صون المورد البشري للأمة.
– الرقمنة والاستشراف: عبر إنشاء نظام وطني للمعلومات يسمح بالرصد المبكر لأنماط الاستهلاك الجديدة وتكييف خطط المواجهة معها.
الخلاصة:
في الختام، يظهر جليًّا أن ملف المخدرات في الجزائر قد خرج من إطاره التقليدي كآفة اجتماعية أو جريمة قانونية، ليصبح جبهة قتال حقيقية ضمن إستراتيجية “الحروب الهجينة” أو “الحروب اللامتماثلة”، التي تستهدف الدولة في وجودها والمجتمع في نسيجه. إن هذا “التطويق بالسموم” الذي يمتد من الحدود البرية والبحرية وصولاً إلى الاختراق النوعي عبر المطارات، ليس مجرد صدفة جغرافية، بل هو عمل منهجي تتداخل فيه مصالح بارونات الجريمة مع أجندات “الناركو-إرهاب” و”المال الوظيفي” المشبوه.
إن محاولة تخدير الشباب الجزائري لخدمة المشروع الصهيوني وتعطيل نهضة الأمة، تؤكد أن المعركة ضد المخدرات هي في جوهرها معركة وعي وسيادة. وأمام هذا التهديد الوجودي، تبرز “الإستراتيجية الوطنية 2025- 2029” كخيار سيادي حتمي، بمقاربتها الشاملة التي تزاوجُ بين الردع العسكري والعملياتي الحازم على الحدود، واليقظة الأمنية في الحواضر، والترسانة القانونية الصارمة، وصولًا إلى التحصين الصحي والمجتمعي القائم على “المقاربة التشاركية”. إن حماية عقل المواطن وصون حدود الوطن هما وجهان لعملة واحدة هي الأمن القومي الجزائري، وهو ما يتطلب تلاحما مستديما بين الشعب ومؤسساته الاجتماعية والثقافية والدينية والأمنية لدحر هذه السموم، لحماية استقرار الدولة الجزائرية وعمقها الاستراتيجي.
لقد انتقلت الجزائر، وفق ما تظهره المؤشرات العملياتية الأخيرة، من تصنيف “دولة عبور” إلى “دولة مستهدَفة” بشكل مباشر ومنهجي؛ إذ تكشف بيانات الإستراتيجية الوطنية عن تطور خطير في طبيعة التهديد، لاسيما الانفجار في الكميات المحجوزة من المؤثرات العقلية، والتي تضاعفت بأكثر من خمس مرات في السنوات الأخيرة، وكذا تزايد محجوزات الكوكايين والهيروين بشكل أقل. إننا أمام “إرهاب صامت” وتطويق يحاصر البلاد من جهاتها الأربع وبوابات جوها، في حرب تهدف إلى تعطيل قوة الشباب، القوة الحيوية للأمة.
يظل القُنَّب الهندي (الكيف المعالَج) السم التقليدي الأكثر استمرارية في تدفقه عبر الحدود الغربية. وقد اكتسى هذا التهديد طابعا أكثر خطورة بعد تقنين زراعته في المغرب سنة 2021، ما أدى إلى وفرة في الإنتاج وتطوير في أساليب التهريب. وتشير بيانات الديوان الوطني لمكافحة المخدرات إلى انخفاض سنوي في محجوزات القُنَّب بنسبة 20%.
تشهد الجبهة الشرقية، خاصة عبر المسالك الليبية، غزوا حقيقيا لأقراص “البريقابالين” (المؤثرات العقلية المعروفة بـ”الصاروخ”). وتؤكد بيانات الديوان الوطني لمكافحة المخدرات أن هذا الصنف عرف انفجارا غير مسبوق بتضاعف المحجوزات بخمس مرّات لتصل إلى 33 مليون قرص في 2024.
في فيفري 2026 أحبطت قوات الأمن عملية تهريب شاحنتين بمجموع يقارب 8 ملايين قرص مهلوِس، ما يعكس حجم الاستهداف والترويج لضرب الأمن المجتمعي. وتؤكد القراءات التحليلية أن مصدرها معامل سرية في ليبيا تفتقر لأي منشأ رسمي، وتشتغل في ظل وضع الصراع القائم، ويجري تمويلها عبر “المال الوظيفي” المرتبط بالإمارات، التي تحولت إلى عرَّاب للخراب أينما حلت وارتحلت.