بوعلام صنصال: فرنسا انتهت بالنسبة لي…!
عشية التحاقه بالأكاديمية الفرنسية الملكية للغة والثقافة الفرنسية في بلجيكا، قال الكاتب الفرنكو-جزائري بوعلام صنصال، السبت 25 أفريل، من بروكسل: “فرنسا انتهت بالنسبة لي”، معلنا أنه سيغادرها بعد أشهر نحو بلجيكا أو سويسرا.
وقال الكاتب في تصريح لوكالة “فرانس برس” إنه يتعرض لمؤامرة في فرنسا: “هذا غير ممكن. لن أبدأ الآن بمحاربة طواحين الهواء كما يفعل دون كيشوت… فرنسا انتهت بالنسبة لي”، ليضيف “لم يتبق لي سوى بضع سنوات لأعيش بسلام. سأرحل، لا أعرف إلى أين. إلى البلجيكيين، إن كانوا سيرحبون بي، أو إلى مكان آخر”.
فمنذ إطلاق سراحه بعفو رئاسي، أصبح الكاتب، الذي تحصل على الجنسية الفرنسية سنة 2024، يثير استغراب الفرنسيين. فمنهم من بدأ يكتشف الرجل، ومنهم من بدأ يكتشف أفكاره، ومنهم من بدأ يكتشف صداقاته، ومنهم من بدأ يكتشف حدود وفائه.
وكان انتقال الكاتب من ناشره التاريخي “غاليمار” إلى دار النشر “غراسيه” التابعة للملياردير اليميني المتطرف فنسان بولوري، في مارس 2026، واحدا من أبرز الأحداث التي غيّرت صورة صنصال في الرأي العام الفرنسي.
وكانت الأصوات التي نبهت، أثناء فترة سجن صنصال، إلى أن الكاتب الموقوف، خلافا لما كان يُروَّج له أنذاك، لم يكن “رجل تنوير يدافع عن قضايا عظيمة”، بل حاملا لخطاب عنصري معاد للمهاجرين والمسلمين، قد تعرض للهجوم، بل وصل الأمر إلى التهديد الجسدي، مثلما حدث مع الباحث في السياسة نجيب سيدي موسى، بعد مروره في حصة “C Politique” التي بثتها قناة “فرانس 5” العمومية بتاريخ 24 نوفمبر 2024.
وتم اعتقال صنصال في مطار الجزائر بعد عودته من فرنسا على خلفية تصريحاته في القناة الالكترونية اليمينية المتطرفة “فرونتيير”، حول حدود الجزائر، في نوفمبر 2024، ليطلق الرئيس عبد المجيد تبون سراحه في نوفمبر 2025 لأسباب إنسانية.
اليوم تغيّر الوضع، فمع تصريحات الكاتب ومواقفه، بدأت صورة “الأسطورة” التي أراد رسمها لنفسه، بدعم شخصيات ووسائل إعلام اليمين المتطرف، تتلاشى، وبدأت الألسنة التي تنتقده تتحرر.
إقرأ أيضا – بوعلام صنصال… وبداية أفول بريق “الأسطورة”
فنشرَت صحيفة “لوموند” يوم 7 أفريل الجاري تحقيقا مطولا من صفحتين بعنوان: “حول بوعلام صنصال… إحراج متزايد“، شرحت فيه كيف أن صورة الكاتب بدأت تتآكل تدريجيا مع مرور الأسابيع. كما تحدثت الصحيفة عن علاقاته بأوساط اليمين المتطرف الفرنسي، والتحاقه بدار النشر “غراسيه”، متسائلة: “هل يبرر كسب مبلغ أكبر بكثير الخيانة؟”.
وقبل “لوموند”، نشرت “ليبيراسيون” في الفاتح من الشهر الجاري تحقيقا بعنوان: “انتقل بوعلام صنصال من غاليمار إلى غراسيه: في كواليس انتقال سياسي بحت“.
وفي 21 أفريل الجاري، نشرت الصحيفة نفسها مساهمة للكاتبة الإيرانية فاريبا هشترودي بعنوان: “لماذا لم أعد أعرف نفسي في أدب بوعلام صنصال؟“.
وعكس الكثيرين الذين اكتشفوا الكاتب بعد سجنه، تابعت هشترودي أعماله منذ بداياته، وبعد أن ذكّرت بأنها دافعت عنه أثناء فترة سجنه، لفتت إلى أن “الدفاع عن الرجل لا يعني تعطيل البصيرة عن عمله ومواقفه السياسية”.
وقالت إنها تشعر “بالمرارة العميقة التي تجتاح أولئك الذين ناضلوا لأكثر من عام بطاقة مثيرة للإعجاب وإصرار لا يلين من أجل نيل حريته، ليجدوا أنفسهم اليوم متهمين بخيانة معركته!”
وأضافت: “إن هذه المناورة الأخيرة من الكاتب – الذي تخلى عن دار نشره وعن ذويه متذرعا بحجج مهينة – أثارت حفيظة الكثيرين ممن دعموه. إنني أعرف جيدا هذا الاضطراب الناتج عن الثقة المخذولة؛ فمن الصعب حقا الاعتراف بأن خلف صورة الكاتب الذي دعمناه وأعجبنا به، ترتسم شخصية أكثر قسوة وخالية من البراءة”، لتشير إلى أن الكاتب قد أربك، وبطريقة سيئة، وسطا أدبيا يعاني أصلا من الهشاشة.
فمع وصول الكاتب، الذي انتُخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية بتاريخ 26 جانفي من هذا العام، إلى دار النشر الباريسية، تسبب ذلك في إقالة مدير الدار أوليفييه نورا رسميا بتاريخ 14 أفريل، ليحل محله جون كريستوف ثيري، المقرب من بولوري، بعد خلاف حول نشر كتاب صنصال.
وهو ما تسبب في نزيف داخل دار النشر، إذ غادرها أكثر من 130 كاتب تنديدا بنفوذ رجل الأعمال اليميني المتطرف بولوري… وحتى برنار هنري ليفي كان من بينهم!
وقال هؤلاء، في رسالة أعلنوا فيها مغادرتهم الدار، إنهم لا يريدون أن تصبح أفكارهم وأعمالهم ملكا للملياردير اليميني المتطرف، معبرين عن رفضهم أن يكونوا “رهائن في حرب أيديولوجية تسعى إلى فرض نزعة سلطوية في كل مكان داخل الثقافة والإعلام.”
أما صنصال، فلما سُئل عن مسؤوليته في الوضع خلال استضافته يوم 15 أفريل على قناة “فرانس 5” العمومية، نفى أن يكون يعرف أصلا من يكون فنسان بولوري. وهو الجواب الذي يصعب تصديقه، أو على الأقل يثير الاستغراب، حين يأتي من كاتب قريب من الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية في أعلى المستويات، ومعتاد على الحديث في الشأن العام الفرنسي.
وأمام الأسئلة الدقيقة للصحفيين محمد قاسي وسليمان زغيدور وإستيل مارتان، بدا الكاتب مرتبكا، فبخلاف المرات التي كان يحضر فيها على بلاتوهات القنوات اليمينية المتطرفة، حيث كان يردد ما تريده من خطاب معاد للإسلام والمهاجرين والجزائر، ظهر هذه المرة كالسمكة خارج الماء.
وبعد تصريحه اليوم بنيته مغادرة فرنسا، علّق السيناتور الفرنكو-جزائري أكلي ملولي، مذكرا بكل ما قدمته فرنسا للكاتب، بدءا من منحه الجنسية الفرنسية سنة 2024، ثم التعبئة على أعلى مستوى في الدولة الفرنسية من أجله منذ اعتقاله إلى غاية إطلاق سراحه، مرورا بمنحه وسام “جوقة الشرف” في جانفي 2025، ثم انتخابه في الأكاديمية الفرنسية، ليتساءل: “عندما أنظر إلى هذه الأحداث وأفحصها ككل، بنظرة إلى الماضي، أتساءل عن هذا الرجل: هل هو مرتزق، أم أسوأ من ذلك، ناكر للجميل؟”.