بوكبة يقدّم سيرة عارية وفصولا من مغامراته في الشارع
سبق الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة ببضع خطوات موعد الدخول الأدبي الجديد بكتاب جديد صدر حديثا عن منشورات “الجزائر تقرأ” وسمه بـ”يدان لثلاث بنات ويليه: بوصلة التّيه”، لا يحمل فقط الجرأة التي يعرف بها أو صراحته المعهودة في مقالاته الصحفية ونصوصه الإبداعية بقدر ما يكشف فيه عن قدرته على تحمل المتاعب والعراقيل التي واجهته في بدايات دخوله إلى العاصمة الجزائر عام 2002، قبل أن يفرض اسمه وحضوره كاتبا وإعلاميا وناشطا ثقافيا.
وحسب ما اعترف به بوكبة في الكتاب فإنه في القسم الثاني من المؤلف “بوصلة التّيه” ترك غرفته الجامعية في جامعة سطيف يوم 02 جوان 2002، ودخل إلى الجزائر العاصمة رفقة الشاعرين رابح ظريف وجمال رميلي، اللذين عادا بعد أيام ورفض هو العودة، رغم أنه لم يكن على معرفة إلا بوجوه محدودة، ويضيف:”وهو الوضع الذي أحاله على الشارع مباشرة، قبل أن تتوطد علاقته بالشاعر الطيب لسلوس الذي كان يشرف على معرض لبيع الكتب في مقر اتحاد الكتاب الجزائريين”.
ويلفت بوكبة أنّه تعرّف في الشارع على وجوه ونفوس “استفزّت السّارد في داخلي، أنا الذي كان خاضعًا للشّاعر وحده”، وهذه الوجوه يشير أنّه لا علاقة لها بالكتابة أصلا لكنها من النوع الذي يلهم الحكايات، وقد وجد معها بوكبة ضالته السردية، مثلما حدث له مع الشاب قادة الغليزاني القادم من الغرب الجزائري بحثا عن حبيبته التي دخلت العاصمة بعد أن حملت منه، لكن ما جعل الحكاية أكثر تشويقا أنّ بوكبة صدم باختفاء قادة فجأة، وبظهور حبيبته زهرة مع طفلها الصغير، وهي رسامة بورتريهات، فعرضت عليه أن تترجم كل نص يكتبه إلى رسم ليصدرا كتابا مشتركا، ولأنها اختفت هي أيضا، فقد قام بوكبة برسم لوحات طفولية ونشرها في كتابه الأول “من دس خف سيبويه في الرمل؟”.
ويسافر بوكبة بالقارئ في “بوصلة التيه” إلى شوارع الجزائر العاصمة وحدائقها وفنادقها الباردة واتحاد الكتاب الجزائريين والمكتبة الوطنية التي استقال منها عام 2004 والإذاعة الوطنية والتلفزيون الجزائري الذي طرده في عهد عبد القادر العلمي، فشنّ إضرابا عن الطعام في ماي 2010، وقد أبدع في سرد تفاصيل هذه التجارب الإنسانية، من غير أن يتحدث عن الأحقاد والخصومات والتشنجات التي التقى بها في هذه المسيرة الصعبة، فلم يذكر إلا الجوانب التي أحالته على الكتابة السّردية.
ومن خلال هذه الميزة التي يختص بها يجعل بوكبة القارئ يعرف بعض الخفايا المتعلقة بكتبه السردية التي كتبها ونشرها لاحقا، من ذلك أنه كفر بالراوي العليم الذي يعرف كل شيء عن شخوص الرواية، من خلال سهرة جمعته في وهران عام 2007 مع عشرة شباب في حي شعبي، كانوا جميعا يتحدثون معه دفعة واحدة، وأنه كان يقيم في حمّام بستان الجنوب في باب عزّون، في غرفة كان هو الثابت فيها فيما يطلع عليه يوما نزيل آخر، كان يتعامل معه على أنه حكاية جديدة، وهي التجربة التي علمته كيف يحضر في نصوصه السردية بصفته شخصا من الشخوص لا راويا عليما.
وفي القسم الأوّل من الكتاب “يدان لثلاث بنات”، فيرصد صاحب “عطش الساقية” اليوميات الرمضانية التي عاشها مع بناته الثلاث “علياء” و”نجمة” و”مريم”، وسبق له أن نشرها في جداره على فيسبوك خلال أعوام 2015 و2016 و2017، ولاقت تجاوبا كبيرا من طرف القراء، وهي نفسها لا تخلو من مغامرات بوكبة ولكن في زمن الطفولة، قياسا على طفولة بناته، لتكون تجربة سباقة إلى “أدب البيت” في الجزائر.