-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
سادس اقتصاد في الاتحاد الأوروبي

بولندا… بلد يبعث من رماد التاريخ !

محمد مسلم
  • 1520
  • 0
بولندا… بلد يبعث من رماد التاريخ !
ح.م

بولندا هي مسقط رأس عقول ساهمت في تغيير العالم عبر التاريخ، يذكر منهم عالم الفلك والرياضيات، نيكولاس كوبرنيكوس، وعالمة الفيزياء، ماري سكوودوفسكا كوري. بلد ولد من رماد التاريخ ليبني مجدا مع بداية الألفية الثالثة. شعبها مسالم وديع، قناص للفرص، مجتهد ذو همة عالية.
وارسو هي العاصمة البولندية، تحصي ما يناهز الثلاثة ملايين نسمة، تنقسم إلى قسمين، يفصلهما نهر فيستولا. الجهة الشرقية لا تزال محافظة على معالمها التاريخية التي نهلت كثيرا من الثقافة والتراث المعماري الروسي بحكم الاعتبارات التاريخية المعروفة، أما القسم الغربي من النهر فقد اتشح بالمظاهر والثقافة الغربية، ويمكن للزائر أن يشاهد فيه عمارات عملاقة تتنافس فيما بينها، مناطحة عنان السماء. باختصار تلخص تناقضات وارسو بجلاء التفاوت بين الشرق والغرب.
يمكن لزائر وارسو أو “فارشافا” كما يسميها البولنديون، أن يتفاجأ باتساع شوارعها النظيفة، وبالتنظيم المحكم لحركة المرور فيها رغم الازدحام، كما يمكن للمتجول فيها أن يلحظ حضورا فرنسيا في قلب المدينة من خلال سلسلة “أكور” للفندقة، التي تحصي العديد من العلامات، على غرار كل من “ماركير” و”نوفوتيل” وغيرها.. وقد انتصبت في قلب العاصمة بتسمياتها المرصعة بالأضواء الساطعة ليلا والتي تخطف أنظار المارة.
هذه الملاحظة سجلها أيضا المترجم خفيف الظل، مارشين غرودسكي، الذي تحدث لـ”الشروق” عن سبق الفرنسيين إلى الاستثمار في قطاع الفندقة في بولندا، بعد التحول الذي شهده هذا البلد في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي. فرنسا ورغم بعدها بعض الشيء عن بولندا، إلا أنها ترتبط بها بروابط خاصة تمتد لقرون، يجسدها وجود جالية بولندية في فرنسا، كان قد سبقها التحالف التاريخي مع نابليون الأول..
أصبحت بولندا اليوم أبعد ما تكون عن وريث حليفها السابق، روسيا، رغم قربها منه جغرافيا، لكنها باتت أقرب إلى حليفها الأكبر حاليا، الولايات المتحدة الأمريكية رغم عامل الجغرافيا، غير أن هذا لا يعني البتة أن بلاد العام سام لها الكلمة الأولى في وارسو، لأن العملاق الأوروبي، ألمانيا، استطاع أيضا منذ تحولات تسعينيات القرن الماضي أن يرسخ أقدامه في هذا البلد، بالاستثمارات الضخمة، ومن ثم تكريس نفوذه السياسي الذي لا يخطئه أي مراقب، يقينا من الساسة في برلين، بأن بولندا تعتبر عنصرا مهما لأمنها القومي في شرق أوروبا، حيث تربطهما حدود برية تمتد على طول 467 كلم.
ويبدو النفوذ الألماني عبر الاستثمار حاضرا بقوة أيضا في جنوب غربي بولندا، وبالضبط في منطقة سيليزيا، التي عاصمتها كاتوفيتسا. هذه الأخيرة ضمتها ألمانيا البروسية أثناء الوحدة عام 1871، غير أن بولندا استعادتها بعد الحرب العالمية الثانية، التي انهزمت فيها ألمانيا النازية. وقد حطت “الشروق” الرحال بعاصمتها، كاتوفيتسا، بمناسبة احتضانها الطبعة الجديدة من “مؤتمر الحركية الجديدة”.
ونحن متجهين جنوبا إلى منطقة سيليزيا، سجلنا حركية غير عادية بهذه المدينة، ورشات كبيرة لتوسيع خط السكك الحديدية، ونهضة عمرانية حديثة بمعايير عالمية تجتاح مدينة كاتوفيتسا. وقد سمعنا من مسؤول العلاقات مع الإعلام بالمنطقة الاقتصادية الخاصة في كاتوفيتسا، لوكاس بوركوفسكي، أن هذه المقاطعة وبعد ما كان اقتصادها قائما على استخراج الفحم الحجري والصناعات الثقيلة، ها هي اليوم تتحول بقوة نحو الاقتصاد القائم على الابتكار والتكنولوجيا الدقيقة والذكاء الاصطناعي، وأن الصينيين والأمريكان والألمان واليابان ضخوا أمولا كبيرة في هذه المقاطعة الواعدة من حيث النشاط الاقتصادي غير التقليدي.
ووفق ما جاء على لسان المسؤول الإعلامي بالمنطقة الاقتصادية، فإن ما لا يقل عن 700 ألف مؤسسة تم إنشاؤها خلال الثلاثين سنة الأخيرة، التي تشكل عمر المنطقة الاقتصادية بمقاطعة سيليزيا، تم خلالها استحداث 100 ألف منصب شغل، ونحو ألف مشروع استثماري بقيمة حوالي 10 مليار أورو. وقد زار المنطقة سفير الجزائر بوارسو، محمد صلاح الدين بلعيد، وهو ما اعتبره المتحدث بداية للتعاون بين البلدين.

بداية التحول الكبير


إلى غاية نهاية ثمانينيات القرن الماضي، كانت بولندا ـ رغم كونها مستقلة رسميا ـ مجرد إحدى دول الكتلة الشرقية المتخلفة الدائرة في فلك الاتحاد السوفياتي البائد، وبمجرد سقوط النظام الموالي لموسكو، إثر الحراك الذي قاده كبير نقابيي حوض السفن في ميناء غدانسك، ليخ فاليسا، بدأ التحول الكبير في تاريخ بولندا الحديث، الحافل بالإنجازات.
وكما يقول المثل السائر “عجلة السياسة تجر الاقتصاد”، فقد نجحت التحولات السياسية في هذا البلد الذي كتب له التاريخ والجغرافيا أن يعيش محشورا بين قوتين جارتين جبارتين توسعيتين تاريخيا، روسيا وألمانيا، في انتشال الاقتصاد البولوني من براثن التخلف الموروت عن الحقبة الشيوعية، مدفوعا بالسياسة الرشيدة للقادة الجدد لهذا البلد، ومدعوما بالاستثمارات القوية التي تدفقت عليه من جيرانه في أوروبا الغربية وعلى رأسهم العملاق الألماني.
ولا يخفى على أحد الحظوة التي لقيتها بولندا من قبل جيرانها في أوروبا الغربية، ويعتبر قبول انضمام وارسو إلى محفل الاتحاد الأوروبي بداية من عام 2004، إيذانا بدخول هذا البلد عصرا جديدا من الازدهار، بسبب ما يوفره هذا الفضاء الاقتصادي من فرص استثمارية هائلة ومن تحويل كبير للتكنولوجيا، وهذا من دون تجاهل الطاقات والإمكانات التي تتوفر عليها بولندا من جهة أخرى.

اقتصاد قائم على الابتكار
يعتبر اقتصاد بولندا اليوم سادس أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي والأكبر بين نظرائه من دول أوروبا الوسطى. ومنذ عام 2019، كان الاقتصاد البولندي ينمو بشكل مضطرد على مدى السنوات الثماني والعشرين الماضية، مسجلا رقما قياسيا في الاتحاد الأوروبي، فيما لم يتجاوزه سوى الاقتصاد الإيرلندي على المستوى الأوروبي والأسترالي على المستوى العالمي.
ويصنف البنك الدولي بولندا باعتبارها دولة ذات اقتصاد مرتفع الدخل، وتحتل المرتبة الحادية والعشرين على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما أهلها لتكون عضوا ملاحظا في “مجموعة العشرين” لأكبر الاقتصاديات في العالم. كما يتسم اقتصاد بولندا بالتنوع الشديد، وهو اليوم يعتبر من الاقتصاديات الرائدة التي تعتمد بقوة على الابتكار، بفضل السياسات الحكومية القائمة على الاستثمار في هذا القطاع الحساس جدا.
وبفضل هذا التوجه الحكومي، احتلت بولندا المركز 41 في مؤشر الابتكار العالمي في عام 2023، وتقدمت مركزا واحدا في مؤشر عام 2024 لتصبح في المركز 40، وهو ما جعل بعض الأكاديميين البولنديين يشبهون بلادهم بـ”يابان أوروبا” في مجال الابتكار، كما جاء على لسان، أندري كوبيسياك، نائب مدير المعهد (البولندي) للعلوم الاقتصادية، في لقاء مع “الشروق” في العاصمة البولندية وارسو.

مؤتمر الحركية الجديدة..
وخلال تواجد “الشروق” في بولندا، احتضنت مدينة كاتوفيتسا بالجنوب الطبعة السادسة من “مؤتمر الحركية الجديدة” وهو أحد النشاطات الاقتصادية الكبرى الـ15 التي تقام خلال سنة. المؤتمر عبارة عن معرض دولي متنوع تغلب عليه مشاركة مصنعي السيارات والشاحنات الكهربائية والبطاريات، تحضر فيه بقوة المشاريع الابتكارية والخلاقة.
الحضور الأوروبي كان لافتا في طبعته السادسة، من خلال العلامات المشهورة مثل “فولكس فاغن” الألمانية و”فولفو” السويدية وبدرجة أقل “رونو” الفرنسية، كما كانت المشاركة اليابانية بمختلف ماركاتها، والكورية والصينية حاضرة بقوة أيضا. عادة ما تشهد هذه المناسبة التوقيع على العديد من الاتفاقيات المثمرة، على غرار ما حدث مع تايوان، تضاف إلى اتفاقية قائمة مع كوريا الجنوبية لتصنيع البطاريات، وفق مصدر مسؤول بالجهة القائمة على المؤتمر.
مؤتمر الحركية الجديدة يهيئ الأرضية اللازمة لإقامة مشاريع ناشئة بما تنعم به بولندا من “استقرار في اللوائح القانونية المضبوطة والمكان المناسب، وهذا يشكل إطارا مناسبا يساعد على جذب الاستثمارات نحو بولندا، ولولا التحولات التي شهدتها بولندا، ما كان ليحدث هذا”، يقول المسؤول سالف الذكر.

بولندا.. ورشة مفتوحة على الهواء !
في القطار من العاصمة وارسو باتجاه عاصمة الجنوب، كاتوفيتسا، يشهد خط السكة الحديدية المكهرب والحديث، الممتد وسط سهول على امتداد البصر، أشغال توسعة جديدة. المشروع يندرج ضمن رؤية اقتصادية تستهدف ربط المدن بشريان السكك الحديدية، ممولا من قبل الحكومة المركزية بقيمة 2 مليار أورو ودعم من الصناديق الاستثمارية.
تحديات النموذج الاقتصادي البولندي تتطلب ترسيخ الفكر الابتكاري، ومن رحم ذلك، جاء التوقيع على إنشاء مركز التطوير المحلي للبحث بمنطقة كاوفيتسا، بدعم من الحكومة المركزية. وبفضل هذه الاستراتيجة أصبحت كاتوفيتسا، عاصمة للصناعات الدقيقة والذكية. ويثني لوكاس بوركوفسكي على دعم الأوروبيين لبلاده في التحول الذي عاشته، وهو يستحضر ذلك: “الاستثمار كان بقيمة الذهب. كنا نرحب بالاستثمار الألماني والفرنسي، وقد نجحنا في ذلك، ولكن على المدى القصير، لأن تكلفة العمل ارتفعت الآن”، يقول المسؤول ذاته.
من الناحية الاقتصادية، شكلت الحرب الدائرة في أوكرانيا بالقرب من حدوها الشرقية تحديات جديدة للاقتصاد البولندي. من الجانب الإيجابي، ساهم آلاف الأوكرانيين الذين فروا من جحيم الحرب واستقروا في البلد المجاور في النمو الاقتصادي البولندي من خلال توفير اليد العاملة، في الرفع من أدائه ومن ثم خلق الثروة وفرص العمل.

هاجس الدفاع يضغط على الميزانية العامة
منذ اندلاع الحرب بجوار بولندا، باتت بولندا أمام حتمية تطوير إمكاناتها الدفاعية تحسبا للوضع المتفجر الذي تعيشه منطقة أوروبا الشرقية. وبسبب هذا المعطى الذي فرض نفسه، خصصت الحكومة البولندية ما لا يقل عن خمسة بالمائة من ميزانيتها للدفاع، وذلك في سياق رهانها على توفير ما تحتاجه من سلاح للدفاع عن أمن البلاد.
ولم تكن الخطوة البولندية انفرادية في دول الاتحاد الأوروبي، بل كانت مستوحاة من بروكسل لمواجهة التحديات الأمنية القادمة من الشرق، وهو ما يفسر أيضا رصد ألمانيا، التي كانت إلى وقت قريب منزوعة السلاح، ما لا يقل عن 900 مليار أورو، من أجل تطوير ترسانتها العسكرية.
في السابق، لم تكن الصناعات الدفاعية مرحبا بها، يقول لوكاس بوركوفسكي، أما اليوم فأصبحت أولوية بسبب الوضع الجيوسياسي في المنطقة، في إشارة إلى الحرب الروسية الأوكرانية. ويراهن البولنديون على خبرة الأمريكان في هذا المجال، لكن ثقتهم كبيرة في أن يستثمر رجال الأعمال المحليين في الابتكار على مستوى هذا القطاع الحساس، وينفرون من الأنماط التقليدية الجاهزة.
يقول بوركوفسكي: “الحكومة بصدد صرف أموال أكثر على الأسلحة والتكنولوجيات المتقدمة في صناعة الدفاع والإنتاج محليا، ولذلك فتحنا المنطقة على الصناعات الدفاعية، والأنظمة الصاروخية”، ولكن من دون أن يحول ذلك عن اقتناء الطائرات المتقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية وكل ما يتعذر إنتاجه محليا.

عملاق البرمجيات البولندي مهتم بدخول السوق الجزائرية
خلال تواجد “الشروق” في وارسو، حظيت باستقبال من قبل فريق من إدارة مؤسسة أسيكو (ASSECO)، وهي مجموعة بولندية متخصصة في تكنولوجيا المعلومات، وتُعد الشركة أكبر مصنّع للبرمجيات في أوروبا الشرقية، وسادس أكبر شركة في السوق الأوروبية. تقدم المجموعة حلولا في البرمجيات موجهة للبنوك وشركات التأمين، وتحصيل الرسوم، والرعاية الصحية، والمرافق، والتخلص من النفايات، وتتوفر على قاعدة عملاء تزيد عن 60 ألف عميل في أوروبا.
تبدو المجموعة استنادا، إلى مسؤوليها مهتمة جدا بالسوق الجزائرية، بالرغم من عدم تمكنها من الحصول على صفقات، حيث شاركت في خمسة عروض لحد الآن، وهو ما حزّ في نفسية مسؤوليها، الذين أكدوا أن مجموعتهم توفر خدمات برمجية لبنوك عالمية، على غرار العملاق الألماني، “دويتشه بنك”، و”فولكس فاجن بنك”.. غير أن السبب قد يبدو واضحا، ويتعلق بحساسية المناقصات التي شاركت فيها المجموعة، والمتمثلة في توفير حلول برمجية لبعض العروض، الأمر الذي تحكمه اعتبارات أبعد بكثير عن مجرد النجاعة والفعالية إلى أمور أخرى.
العملاق البولندي الرائد في مجال البرمجية والحلول الذكية “أسيكو”، وعلى الرغم من عدم النجاح الذي تجرعه في عروض سابقة، يبدو ما زال مصمما على الدخول إلى السوق الجزائرية.

تعاون دون الطموحات !
خلال اللقاءات التي جمعت “الشروق” بمختصين في بولندا، كان الاستغراب حاضرا في كل مرة، من محدودية التعاون الاقتصادي مع الجزائر، رغم الاعتبارات التاريخية المعروفة، فالبلدان كانا من بين أوائل الدول التي شهدت تحولات سياسية واقتصادية في العشرية الأخيرة من القرن العشرين. وقد أكدت مصادر من السلطات البولندية (وزارة الخارجية) وجود عروض من حكومة وارسو، كما يجري التخطيط لتكثيف العلاقات في المجال الاقتصادي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!