الجزائر
طي صفحة الاختبارات وفتح ملف التعويضات... والتسديد قبل نهاية جوان:

“بيام” 2026… تحول من الأسئلة المباشرة إلى مواضيع الاستنتاج

نشيدة قوادري
  • 351
  • 0
ح.م

مع إسدال الستار، مساء الخميس، على امتحان شهادة التعليم المتوسط دورة ماي 2026، تكون الأسرة التربوية قد طوت ثلاثة أيام استثنائية، طبعتها حالة من الترقب والقلق، ليس فقط بسبب ضغط الاختبارات، بل بسبب التحولات اللافتة التي مست طبيعة الأسئلة ومنهجية الطرح في عدد من المواد، وفي مقدمتها مادة علوم الطبيعة والحياة، إلى جانب تسجيل صعوبة متفاوتة في مادة اللغة الفرنسية، وسط مطالب واسعة بإعادة النظر في آليات إعداد المواضيع بما يراعي فعليًا مستوى التلميذ ومكتسباته البيداغوجية.
وفي التفاصيل، أبرزت مصادر “الشروق” أن أساتذة ومفتشين قد أجمعوا خلال متابعتهم لمجريات الامتحان، على أن دورة 2026 حملت مؤشرات واضحة على توجه جديد في بناء المواضيع، يقوم على الانتقال من الأسئلة المباشرة التقليدية إلى أسئلة مركبة، تعتمد على التحليل والاستنتاج والتركيب، غير أن هذا التحول، حسبهم، لم يكن دائمًا متدرجًا أو منسجمًا مع ما تلقاه التلميذ داخل القسم.

اجتماع خاص يوم 4 جوان لضبط “سلّم التنقيط” والتصحيح النموذجي

وفي هذا السياق، أثارت مادة علوم الطبيعة والحياة نقاشا واسعًا، بعد أن اعتبر عدد من المختصين أن موضوع الامتحان تجاوز في بعض أجزائه مستوى الرابعة متوسط، سواء من حيث المنهجية المطلوبة أو طبيعة التعليمات. فقد أشار أساتذة ومفتشون إلى أن التلميذ وجد نفسه مطالبًا بصياغة “فرضية علمية” وكتابة “نص علمي مهيكل” بمقدمة وعرض وخاتمة، وهي منهجية ترتبط – حسبهم – أكثر بمرحلة التعليم الثانوي، ولم يتلقَّ فيها تلميذ المتوسط تدريبًا معمقًا يسمح له بالتعامل معها بأريحية داخل امتحان مصيري.
كما سجلت انتقادات بخصوص بعض الوثائق المعتمدة في التمرين الأول، والتي وُصفت بأنها غير واضحة من حيث الرسم والتنظيم، الأمر الذي صعّب على المترشحين قراءة المعطيات واستغلالها بشكل صحيح للإجابة عن التعليمات اللاحقة. أما الوضعية الإدماجية، فقد أثارت بدورها “تحفظات” بسبب إدراج جزء متعلق بآخر دروس مقطع المناعة، وهو الدرس الذي أكد عدد من الأساتذة أنهم لم يتمكنوا من إنهائه بسبب تقديم موعد الامتحان، إضافة إلى الاضطرابات التي شهدها قطاع النقل خلال الفترة الأخيرة، وما ترتب عنها من تعثر في السير العادي للدراسة ببعض المؤسسات التربوية.
ومن هذا المنطلق، لفتت مصادرنا إلى أن الإشكال لا يكمن في مبدأ تطوير الأسئلة أو تحديث طرق التقييم، بل في ضرورة مراعاة التدرج البيداغوجي والانسجام بين ما يُدرَّس فعليًا داخل القسم وما يُطلب من التلميذ يوم الامتحان، حيث أكدوا في هذا الصدد على أن الامتحان يجب أن يبقى أداة لقياس المكتسبات الحقيقية، لا وسيلة لإرباك المترشح أو وضعه أمام أنماط غير مألوفة من الأسئلة.
ولم تكن مادة العلوم وحدها محل نقاش، إذ اشتكى تلاميذ من صعوبة موضوع اللغة الفرنسية، خاصة في جانبي الفهم والإنتاج الكتابي، حيث اعتبر البعض أن النص كان معقدًا نسبيًا ويحتوي على تراكيب لغوية ومفردات فوق المستوى المعتاد لمتعلم التعليم المتوسط. كما رأى أساتذة أن بعض الأسئلة تطلبت قدرة عالية على التحليل اللغوي والفهم العميق، وهو ما تسبب في ارتباك واضح داخل مراكز الإجراء، خاصة لدى التلاميذ ذوي المستوى المتوسط.

تسخيرات ضخمة لإنجاح الامتحان
ورغم هذه الملاحظات، فقد مرت الامتحانات في ظروف تنظيمية وُصفت عمومًا بالجيدة، حيث سخرت وزارة التربية الوطنية من خلال مصالحها المختصة مختلف الإمكانات البشرية واللوجستية لضمان السير الحسن لـ”البيام”، من خلال التأطير الإداري والتربوي، والتنسيق مع مختلف القطاعات الأمنية والصحية.
وفي الجانب التنظيمي، فقد شرعت مديريات التربية للولايات، مباشرة بعد نهاية الامتحانات، في فتح مراكز التعويضات الخاصة بالمؤطرين والحراس والأساتذة المشاركين في العملية، مع الشروع في استقبال الملفات الإدارية الخاصة بالتعويضات المالية. وحسب المعطيات المتداولة داخل القطاع، فإن عملية تسديد التعويضات يُنتظر أن تتم خلال الأسبوع الأخير من شهر جوان الداخل، بعد استكمال مختلف الإجراءات الإدارية والمالية المتعلقة بها.
أما بخصوص عملية التصحيح، فمن المرتقب أن يُعقد يوم 4 جوان القادم الاجتماع الخاص بضبط “سلم التنقيط” والتصحيح النموذجي، وهي المرحلة التي يترقبها التلاميذ والأساتذة على حد سواء، خاصة في ظل المطالب المتزايدة بضرورة اعتماد مرونة أكبر في تقييم الإجابات، خصوصًا في مادة العلوم الطبيعية، مع مراعاة اختلاف طرق الصياغة وظروف التمدرس وعدم استكمال بعض الدروس في عدد من المؤسسات.
وختاما، أشارت ذات المصادر إلى أن نجاح أي إصلاح تربوي لا يتحقق فقط عبر تغيير شكل الأسئلة، بل من خلال بناء انسجام حقيقي بين المنهاج والتكوين وطريقة التقييم، حتى يشعر التلميذ أن الامتحان امتداد طبيعي لما تعلمه داخل القسم، لا قفزة مفاجئة نحو مستوى آخر.
وبين ضغط الامتحانات، وتطلعات الأولياء، ومطالب الأسرة التربوية، تبقى دورة “البيام” 2026 محطة مهمة ستفتح من دون شك نقاشًا واسعًا حول مستقبل التقييمات الرسمية، وكيفية تحقيق التوازن بين تطوير الكفاءات والحفاظ على مبدأ العدالة التربوية الذي يبقى أساس كل امتحان ناجح.

مقالات ذات صلة