الرأي

بيننا وبين فرنسا أنهار من الدّماء لم تجفّ

سلطان بركاني
  • 545
  • 0

أحيت الأمّة الجزائرية المسلمة، يوم الخميس الماضي، الذكرى الثمانين لمظاهرات الثامن من ماي 1945م التي واجهها المحتل الفرنسيّ البغيض بارتكاب مجازر إبادة مروّعة راح ضحيتها أكثر من 45 ألف مسلم جزائريّ، خلال 16 يوما! وقد بلغت الهمجية بالمحتلّ الصليبيّ المتغطرس أنّه أباد عروشا وقرى بأكملها، في سطيف وقالمة وخراطة ومدن أخرى. ليشفي غليله من شعب خرج يطالب بحريته واستقلال بلده.
كانت مجازر إبادة لا يجوز بحال من الأحوال أن تنسى أو توصف بأنّها “أحداث”. ولو أنّ الاستعمار اعتذر منها وقدّم التعويض ما جاز أن تنسى أو يبدّل وصفها، كيف وهو يرفض الاعتذار ولا يزال يفخر بماضيه الاستعماريّ في الجزائر! وصدق شاعر الثّورة محمّد العيد آل خليفة –رحمه الله- حين قال:
أأكتم وجدي أو أهدئ إحساسي * و(ثامن ماي) جرحه ما له آس

وأرقب ممن أحدثوه ضماده * وهم في جماحٍ لم يميلوا لإسلاس؟!
مجازر الثامن ماي لم تكن الأولى ولا الأخيرة في سجلّ المستعمر الفرنسيّ الصليبيّ، فهي واحدة من آلاف الوقائع التي أبانت عن مدى الحقد الذي تحمله فرنسا للجزائريين خاصّة وللمسلمين عامّة: ((وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)).
إن نسينا فلا يجوز لنا أبدا أن ننسى أنّ فرنسا الصليبيةَ عندما احتلت الجزائر حوّلت جامع “كتشاوة” إلى إسطبل للخيول في العام 1832م، وأخرجت المصاحف وأحرقتها، وقتلت آلاف المصلين الذين اعتصموا في المسجد احتجاجاً على تحويل المسجد إلى كنيسة. فهل من دليل أدلّ من هذا على أنّ الاستعمار الفرنسيّ للجزائر كان دينيا وبدافع صليبيّ؟!
لا يجوز لنا أن ننسى ما فعلته فرنسا بالقبائل التي قاومت احتلالها وبالعزّل الذين لم يحملوا سلاحا، على مدار 132سنة.. لا يجوز لنا أن ننسى المحرقة التي اقترفتها في حقّ أولاد رياح قريبا من مستغانم في حقّ ما لا يقلّ عن ألف جزائري في جوان 1845م.. ولا يجوز أن ننسى محرقة الأغواط في ديسمبر 1852م، تلك المحرقة التي استخدم فيها الاستعمار السلاح الكيماوي وأباد خلالها ثلثي السكان، وكان من ضحاياها أطفال رضع وضعوا في أكياس وأحرقوا أحياء بعد أن تمّ تخديرهم بموادّ غازية سامة!

لا يجوز لنا أن ننسى أبدا ما فعلته فرنسا في مدينة سكيكدة سنة 1955م، حينما جمعت أكثر من 1500 مسلم جزائري في الملعب وقتلتهم بدم بارد ودفنتهم بالجرافات في ساحة الملعب.. ولا يجوز أن ننسى ما فعلته في قرية “الزفزاف” بسكيكدة في 20 أوت 1955م، حين قتلت الرجال والنساء والأطفال والشيوخ وأضرمت النار في البيوت والأكواخ وحظائر الحيوانات!
لن ننسى الوحشية التي واجهت بها فرنسا ثورة التحرير، حتى سقط خلال سنواتها السبع ما لا يقلّ عن مليون ونصف المليون شهيد جلهم من المدنيين، ولن ننسى كيف قمعت مظاهرات 11 ديسمبر 1960م، ومظاهرات 11 أكتوبر 1961م.
لن ننسى ولا يجوز لنا أن ننسى أنّ فرنسا الصليبية أجرت ما لا يقلّ عن 17 تجربة نووية في الصحراء الجزائرية، واستخدمت أجساد الأسرى الجزائريين في تجاربها، وحولت مناطق شاسعة من صحرائنا إلى مدافن للنفايات النووية، ولا يزال الجزائريون إلى يوم النّاس هذا يدفعون فاتورة تلك التجارب باهظة.
كلّ هذا ولا يزال بيننا من يدعو إلى طيّ صفحات الماضي، على الرغم من أنّ فرنسا ترفض الاعتراف بجرائمها فضلا عن أن تفكّر في التكفير والتعويض عنها! ولا يزال بيننا من هو متيّم بحبّ فرنسا، يعلّم أبناءه في مدارسها ويقضي عطله السنوية وحتى الأسبوعية في منتزهاتها ومنتجعاتها!

إنّ الله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)). ولو أنّ فرنسا لم تحتلّ بلدنا الجزائر، لكان الواجب الدينيّ يحتّم علينا أن نبغضها ونبرأ من دينها وأفعالها، كيف لا وهي التي حفل تاريخها بحرب الإسلام والإجرام في حقّ المسلمين؟!
مِن فرنسا أعطيت إشارة انطلاق الحملات الصليبيَّة على العالم الإسلاميّ في العام 1095م، بكلمة من البابا “أوربان الثاني” فرنسيِّ الأصل، أمام ثلاثمائة من الأساقفة.. والحملة الصَّليبيَّة الثانية التي بدأت في العام 1147م، انطلقت بعد مجمع كنسيٍّ في مدينة “فيزول” الفرنسيَّة.. وفي الحملة الصليبية الثالثة 1187م، كانت فرنسا واحدة من الدول الثلاث التي أطلقت الحملة من كنيسة “نوتردام” الفرنسية.. وخلال الحملة الصليبية الخامسة التي انطلقت سنة 1213م، حوّل الصليبيون بقيادة زعيمهم الفرنسي “جان دى برين” جامع دمياط بمصر إلى كنيسة.. أما الحملة الصّلِيبيّة السَّابعة فكانت بقيادة “لويس التاسع” ملك فرنسا الكاثوليكي المتعصّب، الذي قام في العام 1249م بتحويل جامع دمياط إلى كاتدرائية، مرّة أخرى.

ويكفينا أن نعلم أنّ حصيلة الحملات الصليبية على العالم الإسلاميّ بلغت 3 مليون مسلم قتلوا على أيدي الصليبيين الفرنسيين وشركائهم!
وإن نسينا فلا يجوز لنا أن ننسى ما فعلته الحملة الفرنسية الصليبية بإخواننا المسلمين في مصر بين 1798-1801م، حتى بلغ من طغيان وإجرام الفرنسيين خلالها أنّهم كانوا يذبحون السجناء ويلقون بجثثهم في النيل ليلا. أمّا الجامع الأزهر فقد اتخذوه اصطبلا لخيولهم، وداسوا المصاحف على أرضه بأقدامهم!
وإن نسينا فلا يجوز لنا أن ننسى ما فعلته فرنسا الصليبية بـ400 من علماء المسلمين في تشاد سنة 1917م، فيما سمي “مجزرة كبكب”، حين دعتهم إلى اجتماع مشترك، ففوجئوا بالجنود الفرنسيين يدخلون عليهم بالسواطير قبل أن يقوموا بذبحهم جميعا واحداً تلو الآخر. وعندما تعالت حملة الشّجب والاستنكار، قالت فرنسا إنّها تهدف من وراء تلك المجزرة إلى القضاء على الرجعية المتمثلة في دين الإسلام وعُلمائه، وأنه قد آن للبلاد أن تتحررَ من قيد الدين الإسلاميّ والأخلاق المنبثقة عنه وعن تعاليمه!
لا يجوز لنا أن ننسى ما فعلته فرنسا في المغرب المسلم، وننسى مجزرة الدار البيضاء سنة 1907م حين فتحت القوات الفرنسية نيران مدافعها على المغاربة وقتلت أكثر من 5 آلاف مغربي مسلم نحتسبهم شهداء عند الله.

لا يجوز لنا أن ننسى ما فعلته فرنسا الصليبية بأرض الشّام، حين عمدت بعد انتهاء الحرب العالميَّة الأولى إلى تقسيم الأرض المباركة إلى 4 دول، هي: سوريا، لبنان، الأردن، وفلسطين، وفرضت انتدابها عليها بالقوة، وسلّمت فلسطين لليهود بالتعاون مع الإنجليز، ولبنان للنّصارى، وحلّت الجيش السوريّ وشكّلت بدلا منه مليشيات علوية طائفية، وقام قائد القوات الفرنسيَّة “هنري جورو” بزيارة قبر صلاح الدين الأيوبي بدمشق ليقف عنده قائلا: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”!
لا يجوز لنا أن ننسى أنّ فرنسا افتتحت “متحف الإنسان” في عاصمتها باريس سنة 1937م، لتتباهى بنحو 18 ألف جمجمة، بينها جماجم آبائنا وأجدادنا، وبينها 36 جمجمة لقادة المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسيّ الصليبيّ.
لا يجوز لنا أن ننسى أنّ فرنسا الصليبية قامت بمساعدة الصرب الصليبيين في حربهم على البوسنة وسهّلت لهم ارتكاب أبشع جرائم التهجير والاغتصاب والإبادة ضد المسلمين، بين 1992 و1995م.. لا يجوز لنا أن ننسى أنّ فرنسا هي التي ساندت ودعمت الميليشيات الصليبية في إفريقيا الوسطى ضد المسلمين.
لا يجوز لنا أن ننسى أنّ فرنسا الصليبية قد بنت اقتصادها وشيّدت كثيرا من معالمها وأبنيتها بما سرقته من مستعمراتها التي تأتي الجزائر على رأسها، والكلّ الآن يعلم أن 10 آلاف طن من الحديد التي صُنع منها “برج إيفل” قد سرقت من الجزائر من مناجم زكّار وروينة بمليانة، أثناء فترة الاحتلال.
أخيرا لا يجوز لنا أن ننسى أنّ فرنسا الصليبية هي واحدة من أكثر الدول الغربية دعما للكيان الصهيونيّ المحتلّ، ومن أكثر من يمدّ الصهاينة بالمال والسلاح في حرب الإبادة التي يشنّونها على فلسطين عامّة وعلى غزّة خاصّة.
وقد سجّل التاريخ القريب أنّ فرنسا قبل انطلاق الحرب على غزة في أكتوبر 2023م، كانت تصدح بدعمها الكامل للجيش الصهيونيّ وتؤزّه ليردّ على ما حدث في 7 أكتوبر.. وقد سمحت بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة إلى الكيان الصهيوني. ورغم تظاهرها بقطع إمدادات السلاح عن الكيان المحتلّ إلا أنّها كانت ولا تزال تمدّ الصهاينة بقطع غيار الطائرات المسيرة.
الحقيقة التي لا يجوز أن نقبل فيها المماراة، هي أنّ الكيان الفرنسيّ الصليبيّ لا يقلّ حقدا على الإسلام وإجراما في حقّ المسلمين من الكيان الصهيونيّ، ونحن الجزائريين خاصّة بيننا وبين فرنسا أنهار من الدّماء لا يمكن أن تجفّ وأكوام من الجثث لا يمكن أن توارى، وفرنسا لن تحترمنا إذا كنّا نخاطبها بذلّة واستكانة.. فرنسا يجب أن تتذكّر فلا تنسى أنّها مدينة لنا بملايين الأرواح ومئات الملايير من الدولارات مقابل خيراتنا التي نهبتها، وأنّ الاستعلاء والعزّة بالإثم لن ينفعاها، وسيأتي عليها يوم تدفع فيه الفاتورة باهظة، فليس كلّ الجزائريين متيّمين بمنتجاتها ومنتجعاتها وفيلاتها. ((وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُون)).

مقالات ذات صلة