-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تجاوز منطق العبور الموسمي إلى شراكة استراتيجية في سياحة الجوار:

بين الجزائر وتونس.. نحو وجهة سياحية واحدة للصينيين والروس

مبعوث "الشروق" إلى تونس: عبد السلام سكية
  • 6782
  • 0
بين الجزائر وتونس.. نحو وجهة سياحية واحدة للصينيين والروس
ح.م

بين أروقة الدورة الأولى لصالون “سوق السفر التونسي” بمدينة الثقافة في العاصمة تونس، كان الحضور الجزائري لافتا سواء من خلال مشاركة مهنيي السياحة أو من خلال حجم الاهتمام الذي خصصه المنظمون للسوق الجزائرية.
وبين لقاءات أصحاب وكالات الأسفار ومسؤولي المؤسسات الفندقية والفاعلين في القطاع، بدا واضحا أن الجزائر لم تعد بالنسبة لتونس مجرد بلد مجاور أو سوق موسمية مرتبطة بفترة الاصطياف، بل شريكا استراتيجيا يزداد وزنه داخل المعادلة السياحية سنة بعد أخرى.
وخلال النقاشات الجانبية التي شهدتها التظاهرة، برزت فكرة تكررت على ألسنة العديد من المهنيين: كيف يمكن للجزائر وتونس الانتقال من مرحلة تبادل السياح إلى مرحلة بناء منتج سياحي مشترك قادر على استقطاب أسواق جديدة، خاصة القادمة من الصين وروسيا؟
ولم يكن اختيار تونس تخصيص الدورة الأولى لصالون “سوق السفر التونسي” للسياحة الداخلية وسياحة الجوار أمرا اعتباطيا، بل يعكس توجها رسميا متزايدا نحو تعزيز الشراكة مع الأسواق القريبة، وفي مقدمتها الجزائر التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم روافد القطاع السياحي التونسي.

تونس تراهن على سياحة الجوار والجزائر في صدارة الأسواق


وخلال افتتاح الصالون، أكد وزير السياحة التونسي، سفيان تقية، أن تلك الدورة تأتي في إطار دعم السياحة الداخلية وتعزيز سياحة الجوار، مشددا على الأهمية الاستراتيجية للسوقين الجزائرية والليبية باعتبارهما ركيزة أساسية للحركية السياحية والاقتصادية.
وأشار الوزير إلى أن الصالون يهدف إلى تقريب المنتوج السياحي من المواطن التونسي وترسيخ ثقافة الحجز المبكر، لكنه يمثل أيضا فضاء لتطوير الشراكات المهنية والترويج السياحي المشترك، خاصة مع دول الجوار.
كما كشف عن توجه لتوسيع نطاق هذه التظاهرة مستقبلا نحو الفضاءين العربي والإقليمي في إطار التحضيرات لتظاهرة “تونس عاصمة السياحة العربية 2027”.
ولم يقتصر الصالون على عرض البرامج السياحية التقليدية، بل جمع عشرات المتعاملين من وكالات الأسفار والمؤسسات الفندقية ودور الضيافة والحرفيين والشركات الناشئة الناشطة في القطاع السياحي. كما شهد لقاءات مهنية مباشرة بين المشاركين من تونس ونظرائهم القادمين من الجزائر، خُصص جزء منها لبحث فرص التعاون والشراكة وتبادل الخبرات في مجالات الترويج والاستثمار وتطوير العروض السياحية.
وحرص المنظمون على تقريب الخدمات السياحية من المستهلك مباشرة، من خلال تمكين الزوار من الإطلاع على مختلف العروض وبرامج العطل والإقامة، والاستفادة من تخفيضات وصلت في بعض الحالات إلى 50 بالمائة على خدمات الإيواء والمطاعم السياحية، إلى جانب تسهيلات في الدفع، في خطوة تهدف إلى ترسيخ ثقافة الحجز المبكر وتحسين تنظيم النشاط السياحي خلال فترات الذروة.
كما شكلت التظاهرة فرصة للقاءات ثنائية بين مهنيي القطاع من الجزائر وتونس، حيث طغت على العديد من النقاشات مواضيع التعاون والتكامل بدل المنافسة، وسبل استغلال الإمكانات التي يملكها كل بلد لفتح آفاق جديدة أمام النشاط السياحي في المنطقة.

4 ملايين زائر في سنة واحدة.. أرقام تؤكد مكانة السائح الجزائري
وتفسر الأرقام الرسمية هذا الاهتمام المتزايد بالسوق الجزائرية، فقد استقبلت تونس خلال سنة 2025 ما مجموعه 4 ملايين و23 ألفا و667 سائحا جزائريا، بزيادة بلغت 14.6 بالمائة مقارنة بسنة 2024، فيما سجلت إلى غاية 31 ماي 2026 دخول مليون و84 ألفا و605 زائرين جزائريين، مقابل مليون و38 ألفا و723 خلال الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة قدرها 4.4 بالمائة.
وتؤكد هذه الأرقام أن السائح الجزائري أصبح يشكل أحد أهم أعمدة النشاط السياحي في تونس، ليس فقط من حيث العدد، بل أيضا من حيث الانتظام، إذ لم تعد حركة السفر مرتبطة حصرا بفصل الصيف، بل امتدت إلى مختلف فترات السنة.
وبالنسبة للعديد من المؤسسات السياحية التونسية، فإن السوق الجزائرية أصبحت عاملا أساسيا في ضمان استقرار النشاط وتقليص الآثار الموسمية التي تعاني منها الوجهات السياحية التقليدية.
ولا يرتبط الاهتمام التونسي المتزايد بالسوق الجزائرية بالأرقام المسجلة فقط، بل بطبيعة هذه السوق وخصوصيتها مقارنة بعدد من الأسواق الأخرى.
فالقرب الجغرافي وسهولة التنقل البري والروابط العائلية والاجتماعية والثقافية بين الشعبين جعلا من تونس الوجهة الخارجية الأولى للجزائريين منذ سنوات طويلة. كما يتميز السائح الجزائري بحضوره المتواصل على مدار السنة، ما يمنح المؤسسات السياحية التونسية قدرا أكبر من الاستقرار مقارنة ببعض الأسواق التي تتأثر بسرعة بالتقلبات الاقتصادية أو الأوضاع الدولية.
وتستفيد الفنادق والمطاعم والأسواق التجارية ووكالات الأسفار من هذه التدفقات المنتظمة، خاصة خلال العطل المدرسية والمناسبات الدينية ونهايات الأسبوع، ما يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية داخل العديد من المناطق السياحية التونسية.
ويؤكد مهنيون أن الحفاظ على جاذبية الوجهة التونسية بالنسبة للجزائريين لم يعد مجرد هدف سياحي، بل أصبح رهانا اقتصاديا يرتبط مباشرة باستمرارية النشاط والاستثمار وفرص العمل في عدد من المناطق التي تعتمد بشكل كبير على القطاع السياحي.

من سياحة العبور إلى شراكة اقتصادية

وتتجاوز أهمية التدفقات السياحية الجزائرية الجانب العددي، لتشمل تأثيرا مباشرا على قطاعات الإيواء والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات.
ويرى مهنيون شاركوا في الصالون أن العلاقات السياحية بين البلدين دخلت مرحلة جديدة، تقوم على التعاون المهني وتبادل الخبرات وبحث فرص الاستثمار، بدلا من الاكتفاء بحركة السياح التقليدية.
ويعزز هذا التوجه اتفاق التعاون السياحي الموقّع بين الجزائر وتونس في أكتوبر 2023، والذي وضع إطارا شاملا لتطوير العلاقات بين البلدين في مجالات الترويج والاستثمار والتكوين وتبادل الخبرات.

اتفاق 2023.. خارطة طريق نحو الترويج المشترك
وينص الاتفاق على تشجيع وكالات الأسفار والسياحة في البلدين على إعداد برامج مشتركة وتنظيم رحلات جماعية في الاتجاهين، والعمل على استقطاب أفواج سياحية من بلدان أخرى.
كما يتضمن تنظيم أسابيع سياحية متبادلة، وتشجيع المشاركة المشتركة في المعارض الدولية، وتبادل الخبرات في مجالات السياحة الصحراوية والثقافية والاستشفائية والمستدامة.
ولا يقتصر الاتفاق على الجانب الترويجي فقط، بل يشمل كذلك تشجيع الاستثمارات السياحية المشتركة والتعريف بفرص الاستثمار المتاحة في البلدين، إلى جانب التعاون في مجال التكوين الفندقي والسياحي وتبادل الخبرات بين معاهد التكوين والمؤسسات المختصة.
كما يركز على تطوير السياحة الصحراوية والاستشفائية والثقافية، وهي مجالات تملك فيها الجزائر وتونس إمكانات مهمة يمكن أن تتحول إلى عنصر جذب للأسواق الدولية إذا ما تم استغلالها ضمن رؤية مشتركة.

عروض سياحية متكاملة.. والجزائر بوابة الأسواق الجديدة
ومن بين الأفكار التي برزت خلال الصالون، إمكانية استغلال التطور الذي تشهده شبكة النقل الجوي الجزائرية لفتح آفاق جديدة أمام السياحة في المنطقة.
فالجزائر ترتبط اليوم بخطوط مباشرة مع موسكو ومدن صينية كبرى مثل بكين وغوانزو، وهي أسواق تعد من بين الأسرع نموا في العالم من حيث عدد السياح.
كما تمتلك الجزائر قدرات نقل جوي أكبر مقارنة بعدد من دول المنطقة، وهو ما يجعلها مؤهلة للعب دور محوري في ربط شمال إفريقيا بأسواق جديدة تبحث عن وجهات سياحية متنوعة وغير تقليدية.
ويرى فاعلون في القطاع أن هذه المعطيات تتيح فرصة لتطوير برامج سياحية مشتركة تستهدف السياح القادمين من آسيا وروسيا، خاصة أن الرحلات الطويلة تشجع عادة على زيارة أكثر من وجهة خلال السفر.
وفي الوقت الذي تمتلك فيه الجزائر إمكانات طبيعية وجغرافية هائلة، من الصحراء الكبرى إلى المواقع الأثرية والساحل المتوسطي الممتد على أكثر من 1200 كيلومتر، تتمتع تونس بخبرة طويلة في التسويق السياحي وإدارة الوجهات واستقبال السياح الأجانب.
كما طوّرت تونس، على مدى عقود، شبكة فندقية وخدماتية متكاملة، إلى جانب خبرة معتبرة في السياحة الشاطئية والثقافية والاستشفائية والرياضية.
ويرى مهنيون أن الجمع بين هذه المقومات يمكن أن يفتح الباب أمام إنشاء عروض سياحية متكاملة تجمع بين البلدين، وتقدم للسائح الأجنبي تجربة أكثر تنوعا من تلك التي توفرها وجهة واحدة.

الصينيون والروس.. الرهان السياحي المقبل
ويعتقد متابعون أن الأسواق الآسيوية والروسية قد تشكل المرحلة المقبلة من التعاون السياحي بين الجزائر وتونس.
فبدل التنافس على استقطاب السائح نفسه، يمكن للبلدين تطوير برامج موحدة تسمح للزائر باكتشاف الصحراء الجزائرية والمدن التاريخية والمواقع الأثرية، قبل الانتقال إلى الوجهات الشاطئية والثقافية والاستشفائية في تونس.
ويستجيب هذا التوجه للتحولات التي يعرفها السوق السياحي العالمي، حيث أصبح السائح يبحث عن تجارب متنوعة ومتكاملة أكثر من بحثه عن وجهة منفردة.
كما أن عددا من الوجهات العالمية نجحت خلال السنوات الأخيرة في تسويق مناطق كاملة بدل الاكتفاء بالترويج لبلد واحد، وهو نموذج يرى بعض المهنيين أنه يمكن أن يلهم تجربة التعاون السياحي بين الجزائر وتونس.

من تقاسم السائح إلى صناعة وجهة مشتركة


وبين الأرقام القياسية التي تسجلها السوق الجزائرية في تونس، والتوجهات الرسمية الداعية إلى تعزيز سياحة الجوار، والنقاشات المتزايدة حول الترويج المشترك للأسواق البعيدة، يبدو أن العلاقات السياحية بين البلدين تتجه نحو مرحلة جديدة.
مرحلة لا تقوم فقط على انتقال ملايين الجزائريين سنويا إلى تونس، بل على محاولة بناء فضاء سياحي متكامل يستفيد من نقاط القوة لدى كل طرف، ويمنح المنطقة فرصة أفضل للمنافسة في سوق سياحية عالمية تزداد صعوبة وتنافسية عاما بعد عام.
فبعد سنوات طويلة كانت فيها تونس تستفيد من تدفقات السياح الجزائريين كأكبر سوق مجاورة، وأصبحت الجزائر بدورها تعمل على تعزيز حضورها السياحي الدولي، تبدو الفرصة مواتية أكثر من أي وقت مضى للانتقال من منطق الجوار إلى منطق الشراكة. وهي شراكة قد لا تقتصر مستقبلا على تبادل السياح بين البلدين، بل تمتد إلى استقطاب أسواق جديدة وبناء منتج سياحي مشترك قادر على المنافسة خارج حدود المنطقة المغاربية.

إقبال متزايد لليبيين على الجزائر.. والملتقيات مفتاح لجذب الاستثمارات

كما تشهد العلاقات السياحية بين الجزائر وليبيا ديناميكية متصاعدة، مدفوعة بتزايد حركة السياح بين البلدين وتنامي الاهتمام بإقامة شراكات استثمارية مشتركة في القطاع السياحي، بحسب ما أكده مصطفى أبو بكر شرميط، رئيس مجلس إدارة غرفة السياحة بالمنطقة الغربية الليبية وعضو الاتحاد العام لغرف السياحة.
وأوضح شرميط، في تصريح لـ”الشروق” على هامش مشاركته في الصالون الدولي للسياحة بتونس، أن حضوره يأتي في إطار تبادل الخبرات والتجارب بين الفاعلين في القطاع السياحي المغاربي، مشيرا إلى وجود مساع لتشجيع المهنيين وأصحاب المؤسسات السياحية الجزائرية على المشاركة في الصالون السياحي الليبي، مقابل تعزيز الحضور الليبي في الفعاليات السياحية التي تحتضنها الجزائر، وعلى رأسها الصالون الدولي للسياحة المرتقب تنظيمه شهر نوفمبر المقبل.
وأكد المتحدث أن هذه التحركات تندرج ضمن توصيات المنظمة العربية للسياحة الرامية إلى تفعيل السياحة البينية في المنطقة المغاربية، معتبرا أن التكامل السياحي بين دول المنطقة يمثل فرصة واعدة لتعزيز التدفقات السياحية والاستثمارية.
وفي حديثه عن السوق الجزائرية، كشف شرميط عن تسجيل إقبال متزايد للأفواج السياحية الليبية على الوجهات الجزائرية خلال السنة الأخيرة، مرجعا ذلك إلى الروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين، فضلا عن تنوع العرض السياحي الجزائري الذي بات يستقطب الزوار من خلال التظاهرات الرياضية والمؤتمرات والفعاليات الاقتصادية والثقافية.
وأضاف أن السائح الليبي يبحث أساسا عن جودة الخدمات، والتسوق، والأنشطة الترفيهية المتنوعة، وهي عناصر بدأت الجزائر توفرها بشكل متزايد، ما جعلها وجهة أكثر جاذبية بالنسبة للعائلات والمجموعات السياحية الليبية.
وفيما يتعلق بآفاق الاستثمار، دعا المسؤول الليبي إلى تنظيم ملتقيات اقتصادية وسياحية مشتركة بين رجال الأعمال والمستثمرين من البلدين، بهدف التعرف على التشريعات المنظمة للاستثمار السياحي في كل من الجزائر وليبيا، وفتح المجال أمام إنشاء شركات وكيانات استثمارية مشتركة.
وأكد شرميط أن توفير إطار مؤسساتي للحوار والتنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين كفيل بإطلاق مشاريع سياحية واعدة تعود بالنفع على البلدين، معربا عن ثقته في أن أي ملتقى ليبي-جزائري متخصص في الاستثمار السياحي سيُفضي إلى “ثمار طيبة” وفرص حقيقية لتجسيد مشاريع مشتركة على أرض الواقع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!