فضائح على الهواء
بين السلطة والجزيرة
على الهواء مباشرة في قناة الجزيرة وجه صائب عريقات مسؤول ملف المفاوضات في “م ت ف” اتهامات خطيرة لأحمد منصور صاحب برنامج بلا حدود، واتهمه بالعلاقة مع المخابرات الأمريكية وغيرها وأنه ينفذ سياسة خارجية، وامتد اتهام عريقات ليطال وضاح خنفر مدير شبكة الجزيرة وطالب على الهواء مباشرة أمير قطر أن يسلم للسلطة المواطن الفلسطيني للتحقيق معه..وفي المقابل تهرب أحمد منصور من الاتهامات الشخصية الموجهة إليه وعرض وثائق عن حوارات بين عريقات والأمريكان ينتقد من خلالها السعودية وقطر ومصر..
-
وعلى مدار أربعة أيام كانت الجزيرة في مهرجان كبير تحت عنوان كشف المستور، وجندت لذلك فريقا من المختصين بالترجمة والضبط، وأعدت تقارير لتغطية الموضوع، ويبدو مما تقدم أن هناك جهدا كبيرا تكون الجزيرة قد بذلته ولايخلو الأمر من رعاية سياسية من قبل إمارة قطر ..وقد جندت الجزيرة برامجها للموضوع “الاتجاه المعاكس” و”وراء الخبر” و”بلاحدود” وغير ذلك من البرامج والدعايات الصاخبة والاشعارات بالعاجل، وبالفعل تكون الجزيرة بذلت أقصى ما طلب منها لإنجاح المسألة.
-
ووجد الفلسطينيون أنفسهم مجبرين للدخول في اللعبة، فلقد هبت قيادات حماس لميكروفونات الفضائيات، وقامت قيادات من السلطة، لاسيما المعنيين بالمسألة التفاوضية بالرد على الاتهامات .. وعلى مدار أيام البث الحي حول الوثائق قيل كلام كثير، وتدخل كثيرون معظمهم بمقابل حسب عدد الكلمات وهم يعرفون أن السوق له اتجاه واضح إنه اتجاه الإثارة..ظهرت الوجوه الفلسطينية تقول كل شيء وبتبادل له علاقة بالتخوين والتتفيه والتحقير والتشنيع ..والمستمع أو المشاهد لما كان يعرض على شاشة الجزيرة يدرك أنه تم الضحك على الفلسطينيين والتآمر عليهم بأن عمقوا بينهم الشرخ وألهوهم في الدفع عن أنفسهم تهما تصل حد الخيانة العظمى..كما تم شيطنة صورة السلطة الفلسطينية تهيئة لإطلاق رصاصة الرحمة عليها..
-
وهنا يصبح من الضروري قول أشياء مهمة للغاية لكي لا نبقي متلقين وكي لايختلط علينا الراي بحقيقة ما هو قائم..يعني بشكل صارم نريد أن نقترب من التقوى وشروطها ومن المسؤولية وحدودها، فيما نحن نتكلم عن موضوع له علاقة بفلسطين يقول تعالى :”ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”.
-
في البداية لابد من ذكر بعض المعطيات المهمة لتشكيل أرضية وعي بما يتم على الساحة الفلسطينة ..فلقد أعطت الحركات السياسية الفلسطينية بما فيها حماس تفويضا للرئيس عباس بالاستمرار في العملية السياسية..وهنا نريد أن نسأل: على ماذا كان سيفاوض الرئيس عباس؟ لن يقول لنا أحد أنه كان بصدد تسلم عكا وصفد والناصرة ويافا وحيفا واللد والرملة وبئر السبع أو أي جزء منها، إنما كانت المفاوضات على أرضية أوسلو التي فازت ضمن معطياتها حركة حماس بأغلبية برلمانية وشكلت حكومة ..ومفاوضات على أرضية أوسلو يقودها من الطرف الفلسطيني الرجل الحاسم في إخراج اتفاقية أوسلو للنور..ماهي طبيعة هذه المفاوصات؟إنها بشكل واضح ستكون على حدود 1967 والتي أعلنت حماس قبولها بقيام دولة عليها..وحتى الآن لم ينتج شيء بالنسبة للمفاوضات بل إنها الآن موقفة فليس من جديد لكي تخوض قيادة حماس فيه.
-
لقد كان منطقيا لو أن حماس رفضت أي حل مرحلي أو جزئي للقضية الفلسطينية، كما يطالب كثير من المثقفين الفلسطينيين وبعض الفصائل الفلسطينية، ومن ثم تتصدى للعملية السياسية، أما وقد فوضت الرئيس عباس بالتفاوض مع اسرائيل على أرضية حدود 1967 ومن ثم تواصلت إعلاناتها على قبولها بحل الدولتين، فإن ذلك يحرمها الآن من حق الحديث عن التفويض وغيره، لاسيما إذا لم يقدم عباس نتائج حواره مع الاسرائيليين في مايشبه الاتفاق بينه وبينهم، بما يحتمل أن يحمل شبهة التنازل عن أحد الثوابت التي أصبحت رائجة في الخطاب السياسي الفلسطيني جملة الحدود والقدس واللاجئين..
-
إن قبول مبدأ المفاوضات وعلى أرضية ماهو مطروح حاليا يعني أن الموقف الفلسطيني جملة في معظمه موقف واحد، ولكن يبدو أن هناك مفاجآت لبعض الناس الذين لايفهمون طبيعة الصراع مع العدو..وكأن المفاوضات تكون بالسلاح الأبيض أو الأحمر..
-
لقد توّرط الفلسطينيون بنشر غسيلهم على شاشات التفلزيونات وتركوا فرصة للمتصيدين الصدف من إعلاميين تجار ومهرجين عبر محطات التفزيون، حيث يصبح الموسم مجديا تماما..وكان من المنتظر فلسطينيا أن يلتئم جمعهم يتباحثون فيما قد تسرب أو أذيع وإن ثبت الأمر في تورط أحد المسؤولين في المفاوضات بإبداء تنازلات أو مواقف فتكون إقالته مطلبا لابديل عنه بل ومحاسبته..إن خطورة المسألة أكبر من الحسابات الحزبية إنها مسألة قضية ووطن وإن كان معلوما، وبالتأكيد أنه لن يستطيع الوفد المفاوض إرغام الفلسطينيين على شيء فالأمر أمر الشعب الفلسطيني هو الذي سيقول كلمته الحاسمة، إما يؤيد الاتفاقيات أو يرفضها واتفق الفلسطينيون السياسيون في فتح وحماس على قبول رأي الشعب حتى لو اختلف عن ايديولوجياتهم.
-
ما كان على الفلسطينيين أن يتورطوا في حفلة الجزيرة وكان عليهم أن يحافظوا على خط اللياقة فيما بينهم وأن تكون بينهم خطوط اتصال رغم كل التوتر القائم بينهم..
-
ومن جهة أخرى لاينبغي ترك المسألة على غاربها وشاردها للمفاوض الفلسطيني يقول ما يشاء ويثرثر مايشاء وكأن القضية الفلسطينية في حقيبة عريقات أو دحلان فهؤلاء قبل أي شيء موظفين لدى الشعب الفلسطيني، وفي أي لحظة يفقد أحد من طاقم الموظفين لياقته يتم سحبه واستبداله..ثم كان لابد على الوفد المفاوض الاتصال بكل القوى الفلسطينية بغض النظر عن انتماءاتها السياسية وأن يكون على اطلاعها بمجريات العملية التفاوضية .. لتستطيع هذه القوى السياسية الفلسطينية متابعة مجريات المفاوضات والتعرف على مجريات الأمور وتطوراتها لا أن يصبح المفاوض الفلسطيني مقررا ولا قائدا ولابديلا.
-
أما الجزيرة فلا يمكن عزل ماقامت به عن السياق العام المراد بالقضية الفلسطينية، ولايمكن تبرئتها من محاولة إرهاق الفلسطينيين بالإشاعة والفتنة الداخلية والتشويش عليهم في حركتهم السياسية ..ولعلها تكون أقرب للمصداقية، وهي تتحدث عن حقائق لاتبعد عن مقرها سوى بضعة كيلومترات، حيث التآمر على الأمة والتوطئة لأعدائها وتمويلهم للحرب على شعوب العرب والمسلمين..لقد كانت الجزيرة من خلال طاقم مشحون بالموقف أكثر منه بالصحافة خصما يحاكم ويجلد ويتشفى.
-
واستغلت الجزيرة عدم وعي الناس بموضوع المفاوضات فأخذت بالخلط بين الحوار والاقتراح والموافقات والاتفاقيات..وهي بلا شك تقصد هذا الخلط ..وإنها بذلك نالت موقعا متقدما لإرباك الفلسطينيين في مرحلة أحرزوا فيها تقدما على الصعيد الدولي باعترافات تتكرر وإمكانية استصدار قرار دولي بتجريم الاستيطان.
-
لابد أن ينتبه الفلسطينيون إلى ضرورة أن تكون هناك دوائر غير خاضعة للاختلاف، وهي ملفاتهم السياسية ..فلئن كانت المفاوضات غير مرفوضة من قبل القوى الرئيسية، لاسيما حماس وفتح وعلى أرضية معطيات سياسية معينة فينبغي أن تكون فتح وحماس والقوى الأخرى في الساحة الفلسطينية على اطلاع مستمر بما يجري لتعديل المسار وتقوية المفاوض وضبط حركته..وهذا هو البديل عن الفوضى المرادة بالساحة الفلسطينية.