بين السياسة والأخلاق
نسمع كثيرا عبارة (ضرورة أَخْلقة العمل السياسي) حتى أصبحت مطلبا في خطاب بعض الساسة خاصة أولئك الذين تُشكِّل عناصرُ الشّخصية الوطنية مرجعية فكرية لبرامجهم.
تُعدّ الأخلاق عند هؤلاء ثابتا أصيلا في حياتهم كلها، فالعلم من دون أخلاق جهل، والمال من دون أخلاق فقر، والنّجاح من دون أخلاق إخفاق، والتّدين من دون أخلاق غش، والوطنية من دون أخلاق زبونية. ولمّا كان الأمر كذلك فلا يُتَصور عمل سياسي بلا أخلاق لأنه سيكون جهلا وإخفاقا وغشّاً وزبونية.
ويعتقد كثير من الناس أن لا مكان للأخلاق في السياسة على اعتبار أنّ السياسة تدور مع المصالح وجودا وعدما، وكل سبيل يؤدّي إلى تحقيق مصلحة مستباح الاستعمال سواء توافَق مع القيم الأخلاقية أو خالفها، بل إنّ بعض أصحاب التّدين المغشوش لا يجدون حرجا بالقول بهذا الاتجاه استنادا إلى القاعدة الشّهيرة (يدور الشّرع مع المصلحة فحيثما كانت المصلحة كان شرع الله) ولا يكلِّفون أنفسهم تعلّم خلفية هذه القاعدة لأنّ المصلحة المقصودة هنا ليست مُطْلقة، ولكنها المصلحة المُرَجَّحة بين مجموع المصالح الموافقة للمقاصد الشّرعية.
ولعلّ من المفيد والحالة هذه أن ندقق أكثر في مفهومي السياسة والمصلحة لنستبين بوضوح أنّ من يجرِّدون السياسة من الأخلاق بدعوى تحقيق المصلحة لا يتّفقون حول مفهوم المصلحة ومعيارها.
السياسة هي تهذيبُ السلوك العامّ لتستقيم حياة الناس في عيشهم المشترك، وهي مجموعة من القواعد السلوكية الجماعية التي تهتم بشؤون المجتمع في مختلف المناحي، بداية من الحريات والحقوق الأساسية العامة إلى تأمين العيش الكريم لكل أفراد المجتمع عن طريق إيجاد مجتمع سياسي منظَّم يحتكم أشخاصُه إلى منظومة قانونية وثقافية واجتماعية مشتركة. يصبح الانشغال بالسياسة بهذا المعنى شرفا وميزة، فمن يسهر على تحقيق مصالح العباد كمسؤول ومؤتمن سياسي مثله مثل من يراقبه من المعارضين لوجود بديل لديهم لخدمة الهدف ذاته.
بعض أصحاب التّدين المغشوش لا يجدون حرجا بالقول بهذا الاتجاه استنادا إلى القاعدة الشّهيرة (يدور الشّرع مع المصلحة فحيثما كانت المصلحة كان شرع الله) ولا يكلِّفون أنفسهم تعلّم خلفية هذه القاعدة لأنّ المصلحة المقصودة هنا ليست مُطْلقة، ولكنها المصلحة المُرَجَّحة بين مجموع المصالح الموافقة للمقاصد الشّرعية.
فالقائم على شؤون الناس (السلطة) والمراقب والمعارض له (المعارضة) جميعهم منشغلون بالسياسة بمفهومها العامّ المُشار إليه سلفا.
والمصلحة والمصالح تأخذ مفهومها من أهداف ومقاصد العيش المشترك، وتخضع بصفة أساسية إلى فقه الأولويات بما في ذلك مقاصد العيش المشترك، والعناصر الأساسية التي توحِّد المجتمع وتشد لحمته. كما أنّ تحقيق أهدافه المستقبلية المشتركة كلّها مصالح تحظى بأولوية المنشغلين بالعمل السياسي سواء كانوا مسؤولين في السلطة مكلفين بصون الأمانة أو معارضين ومتابعين ومراقبين لتقديم البديل خدمة لصيانة نفس الأمانة من موقع المعارض.
وتصبح المقاصد الكبرى مصالح أولى بالرّعاية من المقاصد الجزئية، وتصبح المصلحة الوطنية أولى من مصالح الأقاليم، ومصلحة الشعب أولى من مصالح بعض طوائفه أو فئاته، ويصبح تقدير هذه المصالح مناطا بالمؤسسات التي يختارها المحكومون وتحظى برضاهم، ويكون بقاء المسؤول وعزله مرتبطا بتحقيق هذه المقاصد التي تشكِّل المصالح العامة للبلاد بمختلف درجاتها.
إنّ العاملين على تحقيق المصالح وحمايتها هم السّاسة بالدّرجة الأولى بغضِّ النظر عن مواقعهم. يأخذون شرعيتهم ضمن الحاضنة الشرعية والشعبية في الدولة.
وكلّما رجّح السياسيُّ مصلحة أدنى على مصلحة أعلى كان تصرفه غير أخلاقي، وكلّما كان سلوك السياسي مناقضا لثوابت العمل المشترك وقواعده كان عمله لا أخلاقيا.
ويوصف العمل السياسي بالأخلاقي أو بغير ذلك مقارنة بالمصلحة المقدّمة عنده؛ فالذي يقدّم مصلحته الشخصية في العمل السياسي عديمُ الأخلاق، والذي يقدّم مصلحة حزبه أو منطقته أو فئته على المصلحة الوطنية سياسيٌّ مُفسِد للتّصرف الأخلاقي في السياسة، وهكذا دواليك.
والملاحظ أنّ الذين ينفقون الأخلاق على العمل السياسي أعداء للعيش المشترك وعبدة لمصالحهم وتنظيماتهم وفئاتهم وجهاتهم وأبعد ما يكونون عن المصلحة العليا للبلاد.
وقد تكون مثل هذه القناعة أوّل معول هدم في محاربة القيم الأخلاقية المميزة للمجتمع الذي يعيشون فيه ويرغبون في تأطيره وصناعة القرار فيه بدعوى الدفاع عن مصالحه. إنهم يُفسدون وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا.