بين العلم والثقافة في إدراج العامية في التعليم الابتدائي
بعد ما اشتد النقاش السلبي بين الموالين وخصوم استعمال اللهجة العامية في التعليم الابتدائي….تشتت أفكاري وعجز اللسان…وتبعثرت مواقفي حول مع من أقف؟ هل نقف موقف اختيار وتفضيل بين هذا وذاك؟ أم ماذا؟
فقد بد لي مستوى النقاش والأمر كله أشد شذوذا واستهجانا…لأنه قال لي صديق إن هذا النقاش يجسد نوعا من التنافر والتفرقة في المجتمع الجزائري، وقرأت لمالك بن نبي- من أجل التغيير، ص 50 وما بعدها- يقول بأن خصوم التعريب والعربية ليسوا حديثي العهد، ولأن سيرورة الصراع من أجل الهوية الوطنية على قِدم المساواة مع عداء مجنون للعربية ولهم رغبة ملحة لمحوها، ولكن ليست لهم الجرأة والشجاعة لقولها….أليس شيء محيرا أن تكون اللغات الأوربية وعلى وجه الخصوص الفرنسية أخذت من العربية التقنية التي كانت الأساس اللساني لانطلاق العلوم الحديثة؟ أليس شيء محيرا أن تكون مثلا كلمة – Chiffres- الأصل صفر ومعناه العدد، ذاتها من أصل عربي في كل اللغات الأوربية.
لذلك نحاول أن نتناول المشكلة بطريقة منهجية… وذلك من خلال طرح الأسئلة الأتية: ماذا تريد وزارة التربية من خلال إدراج اللهجة العامية في التعليم؟
هل نريد إنتاج عالما؟ لأن العلم بلا ضمير مفسدة للروح…إن العلم يعطي المعرفة، إنه يعطي اللباقة والمهارة وفقا للمستوى الاجتماعي الذي يتم عليه البحث العلمي، وهو يعطي امتلاك القيم التقنية التي تولد عالم الأشياء. فرجل العلم يكون دائما إنسانا يراقب عالم الأشياء ليسيطر عليها وليحسنها تلك هي النظرة المنهجية لعالم الظواهر حسب ديكارت.
أم نريد إنتاج مثقفا؟ الثقافة تولد العلم دائما والعلم لا يولد الثقافة دوما ولا يمكن استبدال هذين المفهومين بالأخر، فالثقافة هي التي تكون طوق النجاة للمجتمع حين يتعرض لخطر التفرقة والأزمات، لأنها تعطي امتلاك القيم الانسانية التي تخلق الحضارة، ولكن الثقافة أكثر من العلم فهي تنتج إنسان التنمية الذي يراقب، ويراقب ذاته في بادئ الأمر.
أم نريد إنتاج إنسان التنمية؟ أما نريد منظومة تربوية عبارة عن مجرد ألة لنسخ الشهادات دون تحصيل علمي؟
أم هل نطرح المشكلة من زاوية عالم الأشخاص… بمعنى نناقش عالم الأشخاص الموالين لإدراج العامية في التعليم الابتدائي مثل بن غبريت وإطارات وزارة التربية وغيرهم؟
أم هل نطرح المشكلة من زاوية عالم الأفكار دون النظر من هو صاحبها… ونناقش فكرة إدراج اللهجة العامية في الطور الأول من التعليم؟ ثم أي لهجة…هل كل بلدية أو قرية بها مدرسة تتدرج لهجتها في التعليم الابتدائي… أم هناك لهجة أفضل من غيرها…أم ماذا؟ هل تدرج العامية في المناهج والمقررات الدراسية؟ أم تستخدم فقط في الشرح لإيصال الفكرة وتقريب المفهوم للتلميذ؟ وهل تغيير لغة التعليم والتعلم تؤدي بالضرورة إلى زيادة في القيمة العلمية المضافة؟
أم هل نطرح المشكلة من زاوية عالم الأشياء؟
من الثابت اليوم دون جدال أن كل تفكير في مخرجات التعليم هو في الأساس تفكير في مشكلة الانسان- التلميذ والطالب-، وأي تفكير في مشكلة الانسان هو بالأساس تفكير في مشكلة الحضارة، وأي تفكير في مشكلة الحضارة هو في الأساس تفكير في مشكل الثقافة، وأي تفكير في مشكلة الثقافة هو في الأساس تفكير في مشكلة التربية، وأي تفكير في مشكلة التربية هو في الأساس تفكير في مشكلة المنهج، وأي فراغ لا تملأه أفكارنا ينتظر أفكارا معادية لنا….قضية للنقاش.