بيوتنا المظلمة وشبابنا المظلوم (1)!
الواقع الذي يعيشه شبابنا في السّنوات الأخيرة يدعو حقيقة إلى الشّفقة، كيف لا ونحن نرى كثيرا منهم أسرى الهمم المتدنية، صرعى الخمور والمخدّرات والمواقع الإباحية.. المواقع الساقطة متاحة، والمخدّرات تباع جهارا نهارا.. قبل سنوات كان من يتعاطى المخدّرات يستخفي بفعله في الأماكن المظلمة، لكنّهم الآن يتعاطون السّموم في الشّوارع وأمام البيوت، من غير حسيب أو نكير.. نرى شبابا بالليل ساهرين في الشوارع والطرقات، وبالنّهار نائمين لا عمل ولا نفع ولا أمل. يحمل الواحد منهم في صدره غما يكاد يخنقه، وهو يضحك ويقهقه ويطلب التخفيف من غمّه بتعاطي الحبوب المخدّرة ومتابعة مقاطع الفيديو التافهة!
لقد وصل الأمر إلى حدّ أن سمعنا بشباب يهدّدون آباءهم بأنهم إن لم يعطوهم المصروف ليشحنوا رصيد الإنترنت أو يشتروا السجائر والمخدّرات، فسيفعلون ويفعلون! بل منهم من ضرب أمّه، ومنهم من ذبح والدته ذبح النّعجة لأنّها رفضت أن تعطيه مالا يشتري به المخدّرات.
هناك من شبابنا من مرد على كلّ قبيح، ومنهم في المقابل من يحبّ الخير الصّلاح والصّلاة في المساجد وسماع الدّروس والخطب، لكنّهم مع كلّ أسف وقعوا في حبائل المخدّرات، وهناك منهم من يتعاطون المخدّرات ويصلّون في المساجد، ومن واجبنا أن نقدّر ما هم فيه، ونحضّهم على أن يحافظوا على الصّلاة ولا يتركوها أبدا، ونشجّعهم على أن يجتهدوا في تحرّي الخشوع والمحافظة على الركوع والسجود والطمأنينة في صلاتهم أكثر، لأنّها بذلك تكون -بإذن الله- سببا في هدايتهم وتوبتهم من تعاطي المخدّرات: ((وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون)).. مع الانتباه إلى حقيقة أنّ بعض شبابنا يفهمون من هذا القول أنّ الواحد منهم يجوز له أن يتعاطى المخدّرات ويصلّي ولا يضرّه أن يظلّ يعاقر المخدّرات ما دام يصلّي.. نعم، من كان يصلّي ويتعاطى المخدّرات، فالواجب عليه أن يحافظ على صلاته ولا يتركها أبدا بسبب أنّه يتعاطى المخدّرات، لكن عليه أن يجتهد ويقدّم كلّ الأسباب التي في وسعه ليترك المخدّرات؛ عليه أن يبكي بين يدي الله في سجوده حتى يعينه على تركها، ويدعو الله بإلحاح في كلّ وقت أن يوفقه في التخلص منها، وعليه أن يترك رفقة السّوء التي تشجّعه على تعاطي السّموم. كما عليه أن يتداوى من الإدمان، فهناك -ولله الحمد- أدوية تساعد في ترك “الإريكا” والتخلص من إدمانها.. والشابّ المصلّي الذي يتعاطى المخدّرات إن لم يجاهد نفسه على تركها، فإنّ المخدّرات ستجعله يوما يترك المسجد ثمّ يترك الصّلاة. ولن تتركه المخدّرات حتى توقعه في الموبقات.
مصيبة عظيمة أن أمست المخدّرات متوفّرة في كلّ مدينة وكلّ قرية، وكلّ شارع.. من سهّل وصولها إلى أيدي شبابنا؟ من ألقى الحبل على غاربه حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه.. كلّنا نتحمّل المسؤولية: أصحاب المناصب والمسؤوليات –كبيرة وصغيرة- مسؤولون وحسابهم عسير عند الله. والمكلّفون بمحاربة المخدّرات مسؤولون بين يدي الله وموقفهم بين يديه –سبحانه- أصعب ممّا يتوقّعون إن هم ضيّعوا الأمانة خوفا على أنفسهم! أئمّة المساجد مسؤولون إن هم سكتوا عن هذا المنكر الرهيب.. والآباء مسؤولون والأمّهات مسؤولات.
ونحن لو نظرنا إلى أهمّ سبب فيما وصلت إليه حال شبابنا لوجدنا أنّها البيوت التي أصبحت مظلمة خالية من ذكر الله، مقفرة من القرآن، خالية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منزوعة البركة.. بيوت يدخلها المال الحرام فيؤكل ويستساغ، ويُسمع فيها الحرام وينظر فيها إلى الحرام. بيوت يشاهد بعض الأبناء بين جدرانها العري والفجور والزنا على شاشات هواتفهم.. بيوت أفرادها لا يربطهم رباط ولا يجمعهم همّ، كلّ يفعل ما يريد وما يحلو له.. كلّ يعيش معظم وقته مع هاتفه وفي عالمه.. البيت أمسى نزلا للأكل والشّرب والنّوم، بل ربّما يتحوّل إلى ميدان للخصومات.
قبل عقود قليلة، كانت البيوت تعاني الفقر والحاجة وقلّة الطّعام واللّباس، ولكنّها كانت بيوتا مليئة بالبركة، هانئة هادئة مطمئنّة.. لم يكن أفرادها متعلّمين، لكنّهم كانوا على الفطرة: فطرة الرجولة، وفطرة الأنوثة. الرّجل رجل له مكانته ودوره، يتكلّم فيسمع له ويأمر فيأتمر الجميع بأمره، ويزجر فيحني الجميع رؤوسهم، والمرأة امرأة لها مكانتها ودورها، حياؤها أهمّ زينة تتزيّن بها، وطاعتها لزوجها -بعد طاعة الله- رأس مالها، وقيامها على تربية أبنائها أهمّ شغل يشغلها.
أمّا الآن، فأصبح الرّجل رجلا بالاسم فقط، غائبا وهو حاضر، لا وزن لكلامه ولا قيمة لأمره ولا لنهيه.. الكلّ متمرّد عليه، لأنّه هو الآخر متمرّد على أمر ربّه؛ عصى الله فعصاه أهله وأولاده.. والمرأة تحضر في الأسواق ومواقع التواصل أكثر من حضورها في بيتها.. زوجها إنسان زائد في حياتها، وأبناؤها لا يهمّها إلا دنياهم، لا يشغل بالها إلا ما يأكلون وما يلبسون! لا يهمّها أن يصلّوا أو يتركوا الصّلاة. لا يفرق عندها أن تتزيّا بناتها بالحجاب الشّرعيّ والحشمة والحياء، أو يتبرّجن فليبسن السراويل والقمصان الضيّقة ويتحوّلن إلى عارضات أزياء، لا حشمة ولا حياء.. المهمّ أن تصلح دنياهم!
هذا هو الفرق بين البيوت التي عاش فيها آباؤنا وأجدادنا والتي عاش فيها سلفنا، وبين بيوتنا. والمصيبة أنّ كثيرا من الآباء والأمّهات طال عليهم الأمد فقست قلوبهم ورضوا بهذا الواقع واطمأنّوا به، وما عاد يهمّهم أن يُصلحوا في بيوتهم أو يغيّروا منكرا.. رضوا بأن تتحوّل بيوتهم إلى بيوت مظلمة تعشعش فيها الشياطين ولا تدخلها الملائكة…
يتبع بإذن الله…