الرأي

بيوتنا المظلمة وشبابنا المظلوم (2)!

سلطان بركاني
  • 780
  • 0

ليس تهويلا، ولكنّها الحقيقة التي يشهد بها الواقع: بيوتنا –إلا ما رحم الله- أمست بيوتا يلفّها الظّلام، وشبابنا أصبحوا يسيرون في دروب الحياة المتشعّبة من غير هدى، بسبب تلك الظّلمة التي أطبقت على بيوتنا.. وإذا أردنا لبيوتنا أن تنكشف عنها الظّلمة ويصلح حالها، فأول خطوة على طريق الإصلاح هي أن نعيد إليها القرآن ونردّها إليه.. إذا كنّا نريد أن تعود البركة إلى بيوتنا وأبنائنا وأموالنا، وتعود السكينة والرحمة والألفة بيننا وبين أهلينا وأبنائنا، فلنجعل للقرآن مكانا في بيوتنا.
يقول صحابيّ رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- أبو هريرة –رضي الـله عنه-: “البيت إذا تلي فيه كتاب الله اتسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين، والبيت الذي لم يتل فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقل خيره وتنكبت عنه الملائكة وحضره الشياطين”.. ويقول الإمام محمّد بن سيرين –رحمه الله-: “البيت الذي يقرأ فيه القرآن تحضره الملائكة وتخرج منه الشياطين ويتسع بأهله ويكثر خيره، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن تحضره الشياطين، وتخرج منه الملائكة، ويضيق بأهله ويقل خيره”.
أن نجعل للقرآن مكانا في بيوتنا ليس معناه أن نشتري المصاحف ونضعها في الرفوف، أو أن نفتح القرآن في الصّباح من التلفاز أو من الهاتف للبركة، فلا نسمعه ولا نتأثر به. إنّما معناه أن يجعل كلّ فرد من أفراد الأسرة للقرآن من وقته ويومه نصيبا، فيترك الهاتف جانبا ويلقي الدّنيا عن ظهره وقلبه ويحمل المصحف، ويتلو كلام ربّه خاشعا خاضعا.. معناه أن يجعل كلّ فرد وقتا يسمع فيه القرآن طالبا أجره وفضله وبركته.. أن ينوي كلّ فرد بأن يَعرض حياته على القرآن، فينظر كم آية يعمل بها وكم آية يخالفها؟
كلّما كان نصيب القرآن من حياتنا أوفى وأوفر كلّما حلّت السّكينة والبركة في بيوتنا أكثر.. ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون)).. الهواتف سرقت قلوبنا وسرقت أوقاتنا وأعمارنا، وأبعدتنا عن كتاب ربّنا حتّى اتّخذناه مهجورا، ثمّ بعد ذلك نشكو قسوة قلوبنا وضعف نفوسنا أمام الشهوات، ونشكو غياب البركة وكثرة المشاكل في بيوتنا! لو كانت قلوبنا تنبض بالحياة لتقطّعت خوفا ونحن نسمع هاتين الآيتين: ((قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)). أو نسمع قول الله تعالى في سورة الجنّ: ((وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)): أي مشقة لا راحة معها.. إذن، فأوّل علاج هو العودة إلى القرآن في بيوتنا.. أن نكسر قسوة قلوبنا ونبدّد ظلمة بيوتنا بالقرآن.
الدّواء الثّاني هو: الحرص والاهتمام، أن يحمل كلّ واحد منّا همّ صلاح زوجته وأبنائه، وهمّ صلاح أسرته.. أن يصبح هذا الهمّ ملازما له، يدعو الله به في كلّ سجدة ويبكي لأجله بين يدي مولاه بالليل: ((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين)). ((رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)).
كثير من الآباء ينصح ابنه مرّة أو مرّتين، فإذا لم يستجب له يئس وترك ابنه على هواه، أو ينصح ابنته مرّة أو مرّتين، فإذا رآها لم تستجب تركها بعد ذلك تعيش حياتها كما تشاء، خاصّة إذا كانت أمّها في صفّها تقول للزّوج: “خلّها تعش حياتها ولا تسبّب لها العقد النّفسية”! لا يجوز للأب أن يملّ من النّصح، ولو قضى حياته كلّها ناصحا.. المهمّ أن يكون الأب قدوة، فلا يعصي ربّه حتّى لا يعصيه أبناؤه.. فمن هان أمر الله عليه، هان أمره على النّاس وعلى أبنائه.. والمهمّ أن يرى الله منه الحرص والاهتمام والحسرة على أبنائه، كان الإمام سعيد بن المسيّب –رحمه الله- يقول لابنِه: “لأزيدنَّ في صلاتي من أجلك، رجاء أن أُحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: ((وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا))”.. وكان الصّالحون يقولون: “بِرُّوا أبناءكم بصلاحِكم واستقامتكم؛ حريٌّ أن يَصلحوا ويُحفظوا ويَبرّوكم”.
الدّواء الثّالث: هو: أن نمنع عن أبنائنا وسائل وأسباب الفساد.. من واجب كلّ أمّ ومن واجب كلّ أب أن يمنع عن أبنائه ما يفسد دينهم ودنياهم.. كثير من الآباء يتعلّل بأنّه لا يستطيع أن يمنع عن أبنائه برامج التلفاز التافهة، ولا يستطيع أن يمنع عنهم الهواتف، وهذه من تبريرات الشيطان؛ لأنّ هؤلاء الآباء أنفسَهم إذا حلّ موسم الامتحانات تراهم يمنعون عن أبنائهم كلّ ما يشغلهم عن المراجعة، ويراقبونهم ويشجّعونهم حتّى ينجحوا في امتحاناتهم. أليس الدّين أولى بالحفظ والاهتمام؟ أليست الآخرة أولى بأن ينجح فيها أبناؤنا من الدّنيا؟ كثير من الأمّهات إذا أرادت الواحدة منهنّ أن تتخلّص من إزعاج ابنها تلقي إليه بالهاتف، فيدخل الصّغير إلى بحر الإنترنت، فتقع عينه على ما يحيّر عقله ويكسر في نفسه كلّ الحواجز، حتّى إذا بدأ يكبر تعلّق قلبه بالهاتف والإنترنت وأصبح مدمنا عليهما. والسّبب هو الأمّ أو الأب.. في بلاد الغرب: الآباء الحريصون يمنعون الهواتف عن أبنائهم دون سنّ الثالثة عشر، وبعدها يسمحون لهم بشروط وبرامج خاصّة تجعل استعمال الهاتف والإنترنت مقيّدا بما يختاره الوالدان.. ونحن المسلمين نلقي بأبنائنا في البحر متلاطم الأمواج ونرجو ألا يغرقوا! محال. ألقاه في اليمّ مكتوف اليدين * وقال: إياك إياك أن تبتلّ بالماء.
شبابنا وأبناؤنا في أمسّ الحاجة إلينا. في أمسّ الحاجة لأن نقف معهم في بحر الحياة متلاطم الأمواج. أكثر من 99 % من شبابنا الذين غرقوا في مستنقع المخدّرات والشّهوات، لا يريدون هذه الطّريق ولا يحبّونها، لكنّهم لم يجدوا من يمدّ لهم يد العون ومن يحيي فيهم الأمل، ومن يظهر لهم الحرص والاهتمام، ومن يدلّهم على طريق السّعادة.
قبل أشهر ألقيت محاضرة في مركز للتكوين المهنيّ، كان الشّباب في البداية غير مهتمّين بالمحاضرة ومنهم من يضحك ومنهم من يغمز صاحبه. اخترت أن ألقي المحاضرة واقفا حتى أظهر لهم الاهتمام. استرسلت في الكلام، فبدأوا يرمقونني بأعين كسيرة تريد أن تقول كلاما كثيرا، ومنهم من طأطأ رأسه حياءً، وكانوا في آخر المحاضرة على خلاف ما كانوا عليه في بدايتها. ترى في عين كلّ واحد منهم حسرة على ما مضى من عمره، وأملا في أن يبدأ حياة جديدة، ومنهم من عاهدني بأنّه سيكلّم أخاه وصديقه ويدعوه إلى التوبة.
هكذا هم شبابنا: في قلوبهم خير كثير، لكنّ الواقع الصّعب هو الذي أرهقهم. فلنتّق الله فيهم، ولنرحمهم.. كفانا لهثا خلف الدّنيا وغفلة عن همومهم ومشاكلهم. كفانا جلسات مقاهٍ وكلاما فارغا وقيلا وقالا وأبناؤنا بحاجة إلينا.. لا بأس أن يقول الواحد منّا: “أتعب وأشقى حتى لا يحتاج أبنائي إلى أح في دنياهم”، لكن يجب أن يقول مع ذلك: “سأبقى قريبا من أولادي حتّى لا يُخدعوا”.

مقالات ذات صلة