تأملات عبد الرزاق بلعقروز في التعليم بين التقنية والروح
في مقاله المنشور على منصة عروبة 22 بعنوان «فائض المعلومة وأدوار التعليم»، يتأمل الأستاذ الجزائري عبد الرزاق بلعقروز، وهو أحد أبرز أساتذة الفلسفة الذين اشتغلوا على علاقة القيم بالحداثة والمعنى، في التحوّلات التي فرضتها التقنية على التعليم والتربية، محاولا استنطاق مصير المعلّم ودوره في زمن تفيض فيه المعلومات من كل صوب، وتتراكم فيه المعارف الرقمية بسرعة تفوق قدرة الإنسان على الاستيعاب.
يبدأ الأستاذ بلعقروز مقاله بتمييز جوهري بين التربية والتعليم، موضحا أن التربية تُعنى بالجوانب الحيوية والبدنية المرتبطة بغرائز البقاء والرعاية، وهي وظيفة يمكن أن تُمارس حتى مع غير الإنسان كالنحل أو الأبقار، بينما التعليم يختص بتنمية القوى الروحية والعقلية والنفسية التي ترفع الإنسان إلى مستوى القيم والجمال والمعنى، ليصبح كائنا قارئا في جوهره، متسائلا في طبعه، وباحثا عن الحكمة في وجوده.
ويمكن أن نرى هذا الفرق في حياتنا اليومية بين من يربّي ابنه على الأكل والنوم والانضباط الجسدي، ومن يعلّمه كيف يقرأ العالم بعقله ويهتدي إلى الخير بجمال التفكير.
هذا التمييز يمهّد للسؤال المحوري الذي يقيم عليه الكاتب بنيان مقاله: هل ما زال المعلّم يحتفظ بمكانته القديمة في زمن باتت فيه المعرفة سلعة متاحة للجميع؟ أم أن الأدوار تغيرت، وأصبح التعليم في حاجة إلى إعادة تعريف غاياته؟.
في القسم الأول من المقال، يلفت الأستاذ بلعقروز الانتباه إلى أن وفرة المعلومة لا تعني بالضرورة حضور المعرفة، فالمعلّم الذي كان في الماضي مستودع الحكمة والمعنى، أصبح اليوم يشارك مصادره مع الخزائن الإلكترونية التي تفيض بالمحتوى، غير أن ما يميز المعلّم عن التقنية هو أن معرفته مشبعة بحرارة الوجدان وأنفاس الروح، في حين أن المعرفة التقنية باردة، خالية من التوجيه الإنساني، مفتقرة إلى النية الأخلاقية.
ويشبه ذلك من يستمع لمحاضرة مسجَّلة بلا روح مقارنة بمن يجلس أمام أستاذ حيٍّ يروي الفكرة بشغف وصدق، فتتسلل المعرفة إلى القلب قبل العقل.
ومن هنا يبرز دور التعليم في شحن المعلومة بالروح، وإيقاظ السؤال، وتعليم النقد، وربط الأفكار بالواقع المعيش، لأن العقل الإنساني ليس مستودعا خاما للمعطيات، وإنما طاقة فاعلة تملك الوعي بالمسافة بينها وبين الأشياء، وتستطيع أن تعيد تشكيل العالم من حولها.
وفي القسم الثاني، يذكّر الكاتب بأن التعليم في التراث الإسلامي والعربي لم يكن مجرّد عملية حشو للمعارف، وإنما فعل أخلاقي يوجّه النفس نحو المعنى ويهذبها نحو الفضيلة، لأن غاية التعليم كانت دوما التخلّق قبل التعلّم.
إن المعلّم، في نظر الأستاذ بلعقروز، لا يؤدي دورا معرفيا فحسب، وإنما يتحوّل إلى مربٍّ للضمير ومهندس للسلوك الإنساني، يزرع في المتعلمين القيم التي تحصّنهم من الانهيار الأخلاقي وتمنحهم القدرة على الانضباط والإبداع والمسؤولية.
ويمكن أن نلمس هذا المعنى في صورة معلم يغرس في تلاميذه قيمة الصدق واحترام الوقت قبل أن يطلب منهم حفظ النصوص أو حل المعادلات، لأن من لا يتعلّم الأمانة في القول والعمل، لن يكون عالما نافعا مهما بلغت معارفه..فالأخلاق لا تكتسب بمجرد الاطلاع على المعلومات، لأنها تُعاش في واقعنا اليومي، والقيم لا تُصبح حقيقية إلا حين تتجسد في سلوكنا وعلاقاتنا مع الآخرين.
ثم يتقدّم الكاتب خطوة أبعد حين يرى أن التعليم القائم على القيم هو السدّ الحقيقي في وجه قوى الهيمنة التي تتغذى من الفراغ الروحي والانقسام الثقافي، لأن المجتمع الموحّد بالقيم والممتلئ بالمعنى يصعب إخضاعه، أما حين تسود المادية ويغيب الوجدان، تصبح السيطرة عليه أسهل.
ولعل المثال الأوضح هو المجتمعات التي تنخرها الأنانية والتفكك، فتغدو ساحة مفتوحة للتبعية والتلاعب، بينما المجتمعات التي تحكمها منظومة قيم متماسكة تمتلك مناعة ذاتية ضد الاستغلال والتشظي.
فالأخلاق، كما يصوغها الأستاذ بلعقروز، ليست مجرد منظومة سلوكية، وإنما هي رابطة تربط الذات بذاتها، وبالآخر، وبالإنسانية جمعاء.
وفي القسم الأخير، يدعو الكاتب إلى أن يتضمّن التعليم بعدا حضاريا حيّا، لأن المعرفة المنزوعة من سياقها التاريخي والاجتماعي تتحول إلى كتلة جامدة تفتقد القدرة على التغيير.
إن المعلّم الذي يربط بين الأفكار وحركة التاريخ، ويُضيء الجسر المفقود بين المعرفة وإرادة الفعل، هو وحده القادر على صناعة وعي حضاري نقدي لدى طلابه، فلا يكفي أن نحفظ الأرقام حول شهداء فلسطين أو نسب الجوع في إفريقيا، وإنما علينا أن نفهم الأسباب العميقة لهذه المآسي، وأن نُدرّب الأجيال على التفكير في من ينهب خيرات الشعوب ويحتكر ثرواتها، وكيف يمكن تحويل المعرفة إلى مقاومة ووعي وتحرّر، تماما، كما أن الحديث عن أزمة المناخ لا يكتمل دون فهم علاقة الإنسان بنمط استهلاكه، ودوره في إصلاح الضرر الذي ألحقه بكوكبه.
إن خلاصة المقال، كما تتجلّى في نبرته الفلسفية الدافئة، وهي أن التعليم الذي يعتمد على الروح والقيم والمعنى الحضاري، هو القادر على إنقاذ الإنسان من الغرق في بحر المعلومات، لأن المعرفة التي لا تُضيئها الأخلاق ولا تسندها الحكمة تتحول إلى عبء ثقيل، بينما التعليم الذي يزكّي النفس ويُنمي العقل معا، يعيد للإنسان توازنه الداخلي، ويمنحه القدرة على أن يفكر بحرية، ويعيش بكرامة، ويتعلّم لا من أجل التكديس، وإنما من أجل الارتقاء بالذات والمجتمع والإنسانية جمعاء.