تأنيث الجمع المذكر السالم!
لا أدري لماذا كلما يعود الثامن مارس من كلّ سنة، تصيبني الغمّة والحمّى والدوار والفوبيا والبلهارسيا، وكلّ أعراض التهاب الأعصاب، فهذا اليوم تحوّل إلى يوم للنفاق والمخادعة والتلاعب بالمشاعر، وتحوّل أيضا إلى الاستفزاز والابتزاز، وفرصة للاصطياد وقلب المواجع، وأيضا لممارسة كلّ أشكال وموضات الهفّ والفستي!
الذي ينتظر الثامن مارس، حصريا وفقط، ليحتفل بما يسمى “عيد المرأة”، هو ممثل بارع وفنان مخضرم، لأن الذي يحبّ المرأة ويكرّمها ويحترمها ويشاركها ويقاسمها المرّ والحلو، عليه أن لا ينسى بأن السنة مشكلة من 365 يوم، كلها قابلة لتذكر خصال المرأة وتقويم اعوجاجها!
المثير والخطير، أن هذا العيد النسوي، تحوّل إلى عيد رجالي، يُمارس فيه معشر من الرجال كلّ طقوس النصب والاحتيال وشراء الذمم، عن طريق وردة أو هدية أو قنينة عطر، وفي أسوأ الأحوال كلمة ليست كالكلمات، تدوّخ “الهدف” وتخدّره وتجعله يستسلم دون مقاومة!
المرأة يا جماعة الخير: هي الأم والأخت والجدّة والزوجة والبنت والحفيدة والعمّة والخالة وبناتهن، هن فحلات الجزائر، وبالتالي فإن ممارسة النفاق معهنّ، يتحوّل إلى تصرّف طائش، حتى وإن اتخذ من “عيد المرأة” عنوانا للمراوغة والتمثيل!
على المجتمع الجزائري أن يعترف بكلّ صراحة وبعيدا عن الحساسيات، بأن الزمن الجميل يكاد ينقرض -فحاشا هؤلاء وأولئك- لم تعد المرأة مرأة كما لم يعد الرجل رجلا، بسبب عدّة متغيّرات وطوارئ وظروف اجتماعية واقتصادية ومالية وعائلية وتربوية ودينية وأخلاقية، وهذه هي مصيبة المصائب!
بالمقابل، على هذا المجتمع أن يعترف كذلك، بأنه في كثير من الأحيان تكون “عيشة أحسن من عيّاش”، لكن لنقل أيضا أنه ليس كلّ من تحمل تاء التأنيث هي امرأة، وليس كلّ من يرتدي سروالا أو لديه “موسطاشا” هو رجلا!
لقد تأثر المجتمع الجزائري كثيرا -حسب دراسات المختصين والباحثين- بـ”تنازلات” غير اضطرارية قدّمها الرجل للمرأة وتخلى عن واجبات أساسية، فيما “استحوذت” المرأة على صلاحيات تبقى رجالية وليست نسوية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو ما أخلط الحسابات والمهام والوظائف، وجعل المرأة أحيانا تحلّ محل الرجل، ويتدخل الرجل بدل المرأة في مواقع لا تعنيه، فيسمع ما لا يُرضيه ويصبح على ما فعل من النادمين!
نعم، لقد تشابكت خيوط “الجنس الخشن” و”الجنس اللطيف”، مثلما اختلطت الفصول الأربعة، ولم يعد الأمر مقبولا، لأن “قانون الكون” يختلّ بهذه الطريقة غير الطبيعية، وليس من العيب والعار أو البدعة، عندما يُعاد تقسيم المهام وفقا للعدالة الإلهية، وبعيدا عن قواميس الإفراط والتفريط، وبعيدا أيضا عن “التأميم” والتعميم والشروع في فضيحة تأنيث جمع المذكر السالم!
إن فضائح الفساد تخصّ أيضا إفساد العلاقة بين الرجل والمرأة، وعلينا أن نعود إلى ملفات الطلاق و”الحڤرة” والتمييز والاغتصاب والتحرّش والخيانة والخلع و”زواج المصالح”، لنكتشف الزلزال الذي يضرب المجتمع من الداخل، ولنضع النقاط على حروف الصراع وتدهور العلاقة الودية بين الرجل والمرأة ككيان واحد!
.. فلمن أراد من الرجال أن يحتفل بالمرأة، فكلّ أيام السنة سواء، وعلى النساء أن لا يتزيّن ويحلـّين ألسنتهن ويلتزمن الهدوء والسكينة كلما عاد الثامن مارس فقط!