منوعات
المتوج بجائزة الكتاب العربي في الدوحة عبد الرزاق بلعقروز لـ"الشروق":

تاريخ الجزائر حافل بالجوائز العربية.. والذكاء الاصطناعي الخطر القادم

حاوره: محمود بن شعبان
  • 1008
  • 0
الشروق

أكد الكاتب والباحث عبد الرزاق بلعقروز في حوار أجراه مع “الشروق”، على حاجة الإنسان إلى تنمية التفكير واليقظة قبل أن يصبح تحت رحمة الذكاء الاصطناعي، داعيا إلى ضرورة تنمية طاقة التفكير من خلال الحوار والتجارة الفكرية، كما تحدث، بالمناسبة، عن رحلة تتويجه بجائزة الكتاب العربي وعن مشاريعه المستقبلية في الكتابة.

بداية، حدثنا عن رحلتك للتتويج بجائزة الكتاب العربي؟
كانت الجائزة في السنة الماضية قد أعلنت عن دورتها التأسيسية لسنة 2024، حيث لم أنها لم تعلن عن مسابقة وإنما بعض صانعي المشهد الثقافي العربي وعلى رأسهم الجزائري نصر الدين سعيدوني، الذي تم تكريمه ووصفه كواحد من الذين يملكون إنتاجا معرفيا وفيرا في حقول التاريخ وفلسفة التاريخ، وتاريخ الأفكار والثورة الجزائرية وغيرها، وبعدها قامت الجائزة بالإعلان عن دورتها الأولى وفتحت فروع المنافسة تضمنت العلوم الاجتماعية والفلسفة والتاريخ واللسانيات، فتقدمت للمشاركة في فرع الفلسفة حيث كان آخر أجل لإرسال الأعمال المرشحة هو 05 جوان 2024، وبعدها بدأت مرحلة التقييم والتحكيم الأولى والثانية التي استمرت إلى غاية ديسمبر الماضي، وتم الاتصال بنا في نهاية ديسمبر وإعلامنا ببلوغ القائمة القصيرة وأننا ضمن المترشحين لنيل الجائزة، ليتم استدعاءنا لحضور حفل التكريم بتاريخ 8 فيفري أين فزت بالجائزة ضمن فرع الفلسفة، وبالتالي، فإن الجائزة أخذت من الوقت ما يكفي للتمحيص والتمعّن في كل الأعمال المرشحة البالغة 1260 عمل من 35 دولة تتقدمها جمهورية مصر العربية كأكبر نسبة أعمال مرشحة تليها الجزائر وبعدها المغرب، فالأردن ثم السعودية وتونس وقطر.

ما هي أبرز الزوايا التي تناولتها في كتاب “الاتصاف بالتفلسف: التربية الفكرية ومسالك المنهج” المتوّج بالجائزة؟


صدر هذا الكتاب في سنة 2022، أي قبل الجائزة بسنتين، حيث حمل الكتاب هما فلسفيا مخالفا لطريقة الفلسفة التقليدية، التي هي طريقة اقرب إلى التقنيات النظرية والاستدلالات المفهومية والنقاش المجرد حول قضايا الإنسان، المصير، والمعنى والشر، القيمة وغيرها من النقاشات النظرية، كما أن الكتاب لا يسكن ضمن هذا الفضاء، وإنما يحاول أن يقترب أكثر من الفلسفة والحكمة العملية، وبالتالي فان الكتاب في حقيقته يعبر عن المعرفة والحكمة المعمول بها، كيف نعمل بالحكمة، لأن تصبح لنا الفلسفة طريقة في الحياة وأسلوبا في العيش، حيث بدأ الكتاب أولا بأهم ما في الإنسان وهو العقل أو التفكير، كما تحدث الكتاب عن كيفية تنمية التفكير، التي سميناها بـ “التربية الفكرية”، بمعنى ما هي الخطوات العملية والإجرائية التي بواسطتها يصبح التفكير تفكرا وليس فقط مجرد تفكير نظري، ويعلمنا الكتاب أيضا كيف ننتقل من مستوى تلقي الفلسفة إلى مستوى صناعتها، لأننا اليوم لازلنا فقط نتلقى الفلسفة، ليؤخذ هذا الكتاب بأيدينا نحو كيفية التفلسف وكيف نبدع مفاهيمنا انطلاقا من واقعنا ونظامنا اللغوي وأفكارنا وتحدّياتنا الواقعية والعملية، كما يسعى الكتاب لربط العلاقة بين الفكر والعمل تحت مسمى “مكارم الأخلاق”، وكيف يكون الارتباط بمكارم الأخلاق ممكنا في ضل الشرود الأخلاقي الواقعي، بالإضافة إلى دعوة الكتاب للاتصاف بمكارم الأخلاق انطلاقا من فلسفات عديدة منها المفكر المغاربي ابن عربي الذي ترك بصمات أخلاقية تختلف عن النظام الأخلاقي اليوناني، معتبرا الأخلاقية ممكنة، راسما لأجل ذلك خطوات بما أسماه “التحلي”، التي يعتبرها ابن عربي “اتصافا ” بالأسماء الحسنى، ومن معالم الأخلاق؛ كف الأذى وتدريب النفس بالتدريج حتى تسير إلى الخير منقادة ومطيعة، كما اعتبر ابن عربي الخروج عن الطبع غير ممكن، وبالتالي، لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة الزهد، ولكنه بالمقابل يرى أن الأخلاق تصرف في الطباع إلى الحلال حتى يصبح هذا التوازن ممكنا، ولهذا، فإننا عندما قرأنا لابن عربي في الأخلاق لم نقم بذلك بشكل تحليلي وإنما قراءة عملية لطرح قضايا عصرنا ومشكلتنا الواقعية.
ويعالج الكتاب أيضا في أحد فصوله مسألة “أمراض الحضارة” اليوم وكيف يمكننا معالجة أمراض الحضارة الإنسانية، خاصة وان التسامح اليوم لم يعد كلمة تستطيع ان تعالج أمراض الحضارة، وبعد ان عجز التسامح عن إيجاد حل لأمراض الحضارة، ظهر هنالك التواصل ولكن هذا الأخير أيضا أصبح عاجزا عن إيجاد سبيل للحضارة ، ليأتي الاعتراف بعد ذلك، فنحن كمنتمين الى فضاء الثقافة الإسلامية، أعتقد أن التعارف هو الوسيلة التي تمكن علاج أمراض الحضارة، لان التعارف يرتكز على ثلاث مقومات، أولها الانطلاق من الإيمان بالله حتى نضمن الموضوعية في الأخلاق، لأن الإيمان هو أساس الموضوعية في الأخلاق، ثانيا التعارف هو تبادل وتعاون بين الشعوب من اجل تنمية وتقوية العمران، ثالثا التعارف هو تفاضل بين الناس لكن ليس في تصنيف اقتصادي مادي بل التعارف في مرتبة الكرامة الإنسانية او التقوى او كما يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، فالكرامة مرتبطة بالتقوى وليس بانتماءات أخرى.
في الأخير، يوطن الكتاب موضوعاته ضمن دائرة الفلسفة الاجتماعية ولكن ليست تلك الغربية التي اشتهرت مع مدرسة فرانكفورت، وإن كنا نشترك معها في سؤال النقد، فنحن ننتقد الأمراض والمشكلات الاجتماعية لكن ليس نقدا آليا، وإنما نقدا يحاول أن يقدّم علاجا لهذه الأمراض الاجتماعية، وبالتالي، فإن الكتاب يبرز خروج الفلسفة عن الكهوف النائية أو الجبال الشاهقة، وإنما الفلسفة تصبح وصفا عمليا وسلوكيا، فلقد جربنا عدة أساليب لكن ان لنا أن نتصف بالحكمة في فكرنا وسلوكنا وفي طرقة علاجنا لأمراض الحضارة حتى نتمكن من إنهاء تلك العلاقة الممزقة بين الفكر والحياة، بين الفلسفة والواقع، بين العقل النظري والعملي وهذا هو مدار الكتاب في الحقيقة، والذي اعتمدت فيه على مراجع ومصادر عديدة من التراث الفلسفي العربي من ابن عربي إلى الأصفهاني وابن باجة والشاطبي والعامري ثم إلى الفلسفة الغربية ودائرتها في الأخلاق من هايدوغر إلى اندريه كونت سبونفيل وغيرهم من النصوص الأساسية التي كانت لبنات لإنشاء محتوى ومضامين هذا الكتاب.

بحسب رأيك، ما هي المواضيع الواجب تسليط الضوء عليها في الكتابة خاصة في الوطن العربي؟
أعتقد أن فروع الجائزة التي تم الإعلان عنها، تضم نماذج مختلفة حول أهمية الموضوعات التي تستوجب الاهتمام في وطننا العربي وفي دائرتنا الحضارية ككل، فالجائزة مقسّمة إلى فروع، منها الفرع المتعلق بالدراسات التاريخية، وحسب اعتقادي، لا وجود لحضارة تريد بناء نفسها وتنطلق من غير تواصل إيجابي مع موروثها التاريخي والثقافي، فالحضارة التي لا تمتلك تاريخا وثقافة هي كعملاق بأرجل من طين، فيأتي يوم عندما ينهار لن تعود له فائدة، وهذا ما نلاحظه في الحضارات القديمة التي انفصلت عن موروثها الثقافي والحضاري، فعاشت تنمية عمرانية واقتصادية لكنها انهارت، والحضارة الإسلامية رغم ضعفها من حيث الحضور العمراني والمادي، إلا أنها مازالت تحافظ على كيانها الروحي والثقافي، كما أؤكد على أهمية مواضيع العلوم الاجتماعية والإنسانية بالنظر لحاجتنا اليوم إلى معرفة القوانين التي تدار بها المجتمعات إدارة سياسية عقلية وأخلاقية وروحية، وما أحوجنا أيضا إلى الفلسفة بالمعنى الذي طرحناه في هذا الكتاب، أي الفلسفة بوصفها أسلوبا في الحياة ومنهجا في العيش تعيننا على حل مشاكلنا الواقعية والنفسية والحضارية بطريقة تجديدية وليست الفلسفة باعتبارها مجرد دراسة لما ينتجه الغربيون او ما ينتجه التراثيون، فقد آن لنا أن نربط الفلسفة بالاجتهاد لكي نولد الاجتهاد الفلسفي الذي ينطلق من الروح الثقافية أولا ثم التحدّيات الواقعية ثانيا.
ومن بين المواضيع الواجب تسليط الضوء عليها، اللسانيات والمباحث اللغوية، لأنه لا حضارة يمكن أن تتأسّس وتنبني من غير نظام لغوي من خلاله تستطيع التعبير عن ذاتها وتحقق مقاصد التواصل الفعلي، وبالتالي اعتقد أن فروع الجائزة تعمل على توجيه التفكير والاهتمام الى هذه المواضيع كالتاريخ، اللسانيات، الفلسفة، العلوم الاجتماعية، الدراسات الشرعية، وبعبارة ملخصة، فإن حاجتنا اليوم ليس إلى العلوم التقنية بمعناها التقني، فالذكاء الاصطناعي قد سار اليوم إلى مستوى كبير من التقدّم، وإنما نحن بحاجة إلى تنمية التفكير واليقظة قبل أن يجعلنا الذكاء الاصطناعي مجرد مطبقين لقوانينه بالرغم من أنه منتج عقلي ولهذا، فنحن أمام تحدّي تنمية طاقة التفكير من خلال الحوار والتجارة الفكرية، مثلما أشرت إليه في الكتاب، والعودة إلى الفكر الطبيعي كما أننا بحاجة إلى علوم الروح لأنها علوم الحفاظ على الإنسان في تاريخه ،لغته، فلسفته، نظامه الاجتماعي وكذلك في علومه الشرعية والتجديدية.

كيف يمكن للكاتب إصلاح ما أفسدته السياسة؟ وما مدى تأثيره على توجيه الرأي العام؟


سبق وأن أصدرت كتابا بعنوان “روح الثقافة”، حاولت من خلاله الإجابة عن سؤال: متى تكون الثقافة قوة ولها قدرة على إحداث تغييرات في الوعي والسلوك والتفكير، فحصول هذا الأمر متوقف على عاملان أساسيان الأول يتعلق بالمثقف أو الكاتب الذي لا يجب عليه أن يكابد الواقع بالانخراط في حركة نقدية للممارسات والسلوكات اليومية التي نعايشها، فالتحفيز نحو أهمية الثقافة والتكوين المعرفي لأبنائنا هو من المهام المقدسة للمثقف اليوم أو بعبارة أخرى، يجب للمثقف أن يمارس دوره التربوي اليوم من خلال اقتلاعه للثوابت التي يجب عليه اقتلاعها ويغرس مكانها آفاقا جديدة وإبداعية وملهمة، وقد سبق أن وجّهت نقدا إلى أصناف من المثقفين كالمثقف البوق الذي يكون مجرد تعبير لأراء السياسي، أو آراء البزنس الذي يذهب فقط إلى الأماكن التي يوجد فيها عائد مالي والمثقف البهرج أو اللمعان الزائف أيضا مثقف ميتافيزيقي الحقيقة والذي يسكن المدرجات الجامعية وهو الأقرب إلى الاكاديميا وهذا لا ينتفع المجتمع به كثيرا، فهؤلاء المثقفين يشكّلون في الحقيقة معوقات للفعل التربوي والثقافي النوعي، وهذا فإن دور المثقف الحقيقي هو التصدي للجمود والسكون الواقعي وان يشرع في عملية نقد وتواصل إيجابي مع المجتمع عن طريق المعرفة، فإذا لم تفلح السياسة مثلا في إقناع المواطن برهاناتها، فلا بد على المثقف أن يخوض المعركة وينتزع الاعتراف من خصومه بخصوص هذا الأمر، كما يجب الإشارة إلى ضرورة تجذّر الثقافة في القيم الروحية، وأنا من الأشخاص الذين يؤمنون بان أعمق ما في المجتمع هو الثقافة وليست السياسة التي تتعرض كل مرة للتجديد والتغيير، ولكن الثقافة تبقى ثابتة رغم كل التغيرات، وهي تلازمت مع وجود الإنسان وتجلّت في التعابير الأخلاقية والفنية وهي الشق الروحي من الإنسان.

هل أنصفت الجوائز العربية الكتّاب والباحثين الجزائريين؟
لدينا رصيد مهم في تاريخ الجوائز العربية، التي توّجت الكثير من الأسماء الجزائرية، على غرار الدكتورين بلقاسم عيساني، وقويدر ميموني اللذين فازا بجائزة “كاتارا” في قطر، وقبلهم الحبيب السايح وعز الدين جلاوجي وواسيني الأعرج الذي فاز بجائزة نوابغ العرب وعبد الوهاب عيساوي الذي يعتبر أول جزائري يحصل على جائزة “البوكر”، فبالنظر إلى عدد المترشحين الجزائريين مثلا لجائزة الكتاب العربي، فنجد اهتماما كبيرا حيث أن الجزائر احتلت المرتبة الثانية من حيث عدد المشاركات بعد مصر، واعتقد أن الجوائز العربية توشحت مرارا وتكرار بأسماء الجزائريين من بينهم أيضا الأستاذ يوسف وغليسي الذي حصل على جائزة “الشيخ زايد” للكتاب وجائزة “البابطين” في الكويت، وغيرهم ممن توّجوا وأثروا أرصدة السجلات الجزائرية، لكن المهم في الأمر هي الرغبة والإرادة لدى الشباب والكتاب الجزائريين للمشاركة في هذه الجوائز، وبالتالي فان حصول أي جزائري على جائزة يعتبر تتويجا للثقافة الجزائرية، ومن خلال منبر الشروق أدعو المسؤولين الجزائريين الى توشيح المثقفين المتوجين مثلهم مثل الرياضيين ليس رغبة منا في الجوائز بل لما للفكر والثقافة من قيمة، فالرياضة قوة بدنية والثقافة قوة فكرية وروحية.

ما هي المواضيع والدراسات التي تنوي الكتابة عنها مستقبلا؟
أحاول في مشاريعي المستقبلية أن أدرس ما أسميه بالعلمنة الأخلاقية أو ما بعد الأخلاق، بمعنى الخروج الكلي عن القيمة سواء كانت ذات أساس ديني أو عقلي، وذلك كنوع من التصدي لذلك السلوك الذي بدأ بالزحف إلى العالم ويمتد إلى مدننا وأشخاصنا، بالتالي، أسعى لتطوير هذا الأمر لأحياء الأخلاق لأن الإنسان بدون أخلاق ما هو إلا حيوان ذكي وأنا لا أريد أن نبقى مجرد حيوانات ذكية نتباهى بالذكاء الاصطناعي والإنتاجات العلمية التي قد تبتلعنا، بل أريد أن أجعل من الإنسان ذو هوية يشعر بذاته وهويته عندما يتخلق ويترقى في مراتب الحكمة والفضيلة، فالتحدّي الكبير الذي يواجهنا هو الخروج الكلي عن الأخلاق أو ما بعد الأخلاق الذي نشأ في الغرب ولكن بثورة الإعلام والاتصال أصبح ممتدا وينهل منه الإنسان من مختلف الأمكنة، ولذلك، أسعى للكتابة في هذا السياق، كما أسعى للكتابة حول فكرة التواصل الإيجابي مع التراث من جديد وأستمر في الكتابة عن الفكر والتفكير من أجل أن لا يكون الذكاء الاصطناعي بمستوى أعلى من تفكير الإنسان، وهنا يبرز دور الفلسفة في إيقاظ الحس الفكري حتى يصبح قادرا على وضع حدود لكل ما هو خارج حدود الإنسان الذي يبقى هو المركز الذي يرسم معاني الأشياء وليست هي من تحدّد له معاني وجوده.

مقالات ذات صلة