تانزروفت… من كوكب أراكيس إلى سجن شديد الحراسة
قد يظنّ القارئ أن الخيال العلمي عالمٌ منفصلٌ عن واقعنا، تُنسج خيوطه في مخيلة الكاتب بعيدا عن حدود الجغرافيا وتقلّبات التاريخ. لكن ما يجب أن يُعرف هو أنّ واحدا من أعظم عوالم الخيال التي شهدها القرن العشرين -عالم «ديون Dune»- لم يُنشأ من العدم، بل نُحتَ بيدٍ من ذهبٍ من صخورٍ ورمالٍ توجد في بقعةٍ نائيةٍ من جنوب الغربي الجزائري، تحمل اسمًا غريبًا لا يكاد يُعرف لمن يسكنون الشمال: «تانزروفت».
هذا الاسم الذي سمع به الكاتب الروائي الخيالي الأمريكي فرانك هربرت في منتصف الستينيات، فأعجبه وصفُ المكان أكثر من اسمه، نقله إلى روايته ليمثّل منطقة الموت والعزلة في كوكبٍ بعيد، عاد بعد خمسين عاما ليؤدّي الدور نفسه في الواقع: إذ قرّر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون تحويل ثكنةٍ عسكريةٍ تقام في تانزروفت إلى سجنٍ شديد الحراسة، يُعزل فيه كبار المجرمين وبارونات المخدِّرات عن العالم كما عُزلت المنطقة عن الحياة. إنّها قصةٌ لا تشبه إلا نفسها: حين يغدو الخيال مرآةً للحقيقة، وحين يعود المكان الذي ألهم الكاتب ليصدّق ما كتبه على أرض الواقع.
فرانك هربرت لم يكن جزائريا، ولم يكن عربيا، ولم يزر شمال إفريقيا قط. هو أمريكيٌّ من ولاية واشنطن، وُلد عام 1920، من أصولٍ إنكليزيةٍ وأيرلنديةٍ، قضّى جلّ حياته في الولايات المتحدة. لم يكن في حوزته شيءٌ سوى الكتب، والصحف، وشغفٌ لا يُشبع بقراءة الرحلات وتاريخ الشعوب وثوراتها.
في أواسط الخمسينيات، حين بدأ يفكّر في كتابة روايةٍ عن عالمٍ صحراويٍّ، لم يتخيّل صحراءً من مخيلته. بل فتح الكتب، وقرأ عن الصحراء الكبرى التي تمتدّ من المحيط الأطلسي إلى السودان، فقرأ عن ناسها، وعن ثوراتهم، وعن أسماء أماكنهم التي تحمل رائحة المكان ومرارته. وكان ذلك في الوقت الذي كانت تندلع فيه الثورة الجزائرية عام 1954، وتتصاعد وتيرتها حتى الاستقلال عام 1962. لم تكن الجزائر في ذلك الوقت مجرد دولةٍ تُناضل من أجل حريتها؛ بل كانت في عيون العالم رمزا لشعبٍ صحراويٍّ ينهض من رماله ليقهر الإمبراطورية الفرنسية، وينتزع حريته بدمه.
تأثّر هربرت بذلك عميقا. قرأ عن نضال الجزائريين، عن صمودهم في الجبال والصحارى، عن شعاراتهم التي تُردَّد في وجه المحتلّ، فصاغ من ذلك كله شخصية شعبٍ في روايته يسكن الصحراء، ويحارب المحتلّ، ويؤمن بقدرٍ يصنعه بنفسه. سمّاهم «الفريمن» وهو اسمٌ اشتقّه من كلمة «الأمازيغ» بمعنى «الرجال الأحرار»، كما وردت في كتب الرحّالة والمستشرقين التي قرأها.
وهكذا فإنّ شعب أراكيس الذي تقرأ عنه في الرواية هو في أصله صورةٌ لشعب الجزائر الذي قرأ عنه الكاتب في صحف عصره. كما استلهم من الثورة ومن التراث العربي والإسلامي الذي ساد المنطقة كثيرا من المصطلحات والشعارات: «مهدي» و«مسيح» و«جهاد» و«شهيد» و«شريعة» و«لسان الغيب» وغيرها كثير، كلّها وردت في الرواية لتعطي ذلك العالم طابعا يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ ما عرفه في تاريخ الجزائر وشمال إفريقيا.
وبينما ظهرت معالم الإلهام الجزائري في الكتاب الأول «ديون Dune» عام 1965 بشكلٍ عامٍّ في الطبيعة والنضال والمفردات، فقد بقي الاسم الأكثر دلالةً وتحديدا مخفيا حتى صدور الكتاب الثالث من السلسلة «أبناء ديون» عام 1976.
في هذا الكتاب تحديدا، وبعد أن توسّع هربرت وتعمّق في دراسة جغرافية الصحراء الكبرى، أطلق على أعمق وأخطر منطقةٍ في كوكب أراكيس اسم «تانزروفت». وهو الاسم نفسه لمنطقةٍ حقيقيةٍ تقع في الجنوب الغربي للجزائر، بين ولاية أدرار وولاية برج باجي مختار في أقصى الحدود المالية، وتعني بلغة أهلها الأمازيغية «أرض العطش» أو «الصحراء القاحلة». منطقةٌ لا ماء فيها ولا نبات، تصل درجة الحرارة فيها صيفا إلى خمسين درجة وأكثر، وتتسكّع فيها الرمال على مدّ النظر حتى لتكاد تلتهم الأفق. لم يُبتكَر الاسم؛ بل هو مُنقَل حرفا بحرفٍ من الخريطة الجزائرية، لم يغيّر فيه الكاتب سوى حركاته ليُناسب لغته.
وقد وصف هربرت منطقته الخيالية بما يطابق الوصف الحقيقي لتانزروفت: منطقةٌ لا يُقام بها إلا من يبحث عن الموت، تُعزل فيها الأسرار والمنبوذون، ولا مفرّ منها ولا طريق ولا ماء. هي في الرواية قلب الصحراء المُحرّم، المكان الذي لا يجرؤ أحدٌ على دخوله إلا من يملك معرفةً نادرةً وشجاعةً فذّة. وهكذا فإنّ الكاتب الأمريكي لم يكتفِ بأن يستلهم الطبيعة والنضال؛ بل أخذ الاسم نفسه من عمق الصحراء الجزائرية، ونقله إلى روايته ليصبح جزءا من أسطورة الخيال العلمي الخالدة.
العودة إلى الواقع.. حين يصدّق الرمال ما كُتب عنها
مضت السنوات، وبقيت تانزروفت في وعي قرّاء الرواية اسما لمنطقة الموت والعزلة في كوكبٍ بعيد. وفي الحقيقة ظلّت تانزروفت الجزائرية على عهدها: صحراءَ قاسيةً نائيةً، أقيمت فيها بعد الاستقلال ثكنةٌ عسكريةٌ لمراقبة الحدود الجنوبية وحماية التراب الوطني من التهريب والتسلل. وظلت الثكنة قائمةً بعيدا عن أعين الناس، لا يُعرف عنها الكثير، حتى الثاني من سبتمبر عام 2026.
في ذلك اليوم، وفي اجتماع المجلس الأعلى للأمن برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون، صدر قرارٌ مفاجئٌ في ظاهره، بديهيٌّ في جوهره: تحويل الثكنة العسكرية في تانزروفت إلى سجنٍ شديد الحراسة وعالي التأمين، يُخصَّص حصرا لكبار المتورّطين في شبكات تهريب المخدرات و«بارونات» التهريب ومساعديهم.
بُرّر القرار بأسبابٍ منطقيةٍ بحتةٍ: الموقع معزولٌ تماما، لا توجد فيه تجمّعاتٌ سكنيةٌ ولا طرقٌ معبّدةٌ، وأقرب مدينةٍ تبعد مئات الكيلومترات، وطبيعته القاسية تجعل الهروب منه مستحيلا عمليًّا، فمن يُوضع في تانزروفت لا مفرّ له: لا ماء يستعين به ضدّ العطش، ولا ظلّ يقيه، ولا طريقٌ يُدلّه.
وهنا تبرز المفارقة التي تُذهل العقل: ما وصفه هربرت خيالا عام 1976 تحوّل إلى واقعٍ مُعاشٍ عام 2026؛ فالمنطقة التي جعلها الكاتب في روايته رمزا للعزلة والمكان الذي لا يُعزل فيه إلا أخطر المنبوذين، عاد ليُعزل فيه في الواقع أخطر المجرمين، للسبب نفسه بالضبط: قسوة المكان، واستحالة الهروب، وعزلته عن العالم بأسره.
لم يكن القرار مأخوذا من الرواية، بل اتُّخذ بناءً على تقارير أمنيةٍ وعسكريةٍ تقتضي وضع هؤلاء المجرمين في مكانٍ لا يمكنهم فيه التأثير ولا التواصل ولا الفرار. وإنّما العجب أنّ الطبيعة نفسها التي ألهمت الكاتب الأمريكي منذ خمسين عاما هي التي ألهمت الرئيس تبون اليوم، فتانزروفت لم تتغيّر؛ هي منذ آلاف السنين تقول للجميع: «من يُوضع هنا يبقى هنا». سمعها الكاتب فكتب، وسمعها الرئيس فطبّق.
إنّ ما حدث يمنحنا درسا عميقا يتجاوز مجرد الصدفة الجميلة، فها هي صحراء الجزائر، التي قد يظنّ البعض أنها معزولةٌ عن العالم، تُثبت أنها كانت المصدر الخفيّ لواحدٍ من أعظم الإنجازات الأدبية في العصر الحديث. لم يذهب هربرت ليستلهم من قصص الخيال؛ بل جاء إلى مصدر الحقيقة الأكبر: صحراءُ تمتدّ لمسافاتٍ لا تُحصى، وشعبٌ يُحارب من أجل حريته، وأسماءٌ تحمل في طيّاتها معاني الموت والحياة والتاريخ.
وأنّ ما يزيد في العجب أنّ ذلك الاسم النائي الذي نقله الكاتب إلى روايته ليمثّل العزلة، عاد ليُستخدم في الواقع للغرض ذاته، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه بطريقةٍ لا تُخطئها العين، فلو قيل لهربرت حين كتب «أبناء ديون» عام 1976: «بعد خمسين عاما سيُحوّل رئيسُ بلدٍ هذا المكان نفسه إلى سجنٍ لا يُهرب منه أحد» لما صدّق ذلك. ولو قيل لمن سكن تانزروفت منذ قرون: «اسمكم سيُعرف في القارات بفضل روايةٍ خياليةٍ ثم يعود ليُعرف بقرارٍ رئاسيٍّ» لما صدّقوا أيضا.
وصف هربرت منطقته الخيالية بما يطابق الوصف الحقيقي لتانزروفت: منطقةٌ لا يُقام بها إلا من يبحث عن الموت، تُعزل فيها الأسرار والمنبوذون، ولا مفرّ منها ولا طريق ولا ماء. هي في الرواية قلب الصحراء المُحرّم، المكان الذي لا يجرؤ أحدٌ على دخوله إلا من يملك معرفةً نادرةً وشجاعةً فذّة. وهكذا فإنّ الكاتب الأمريكي لم يكتفِ بأن يستلهم الطبيعة والنضال؛ بل أخذ الاسم نفسه من عمق الصحراء الجزائرية، ونقله إلى روايته ليصبح جزءا من أسطورة الخيال العلمي الخالدة.