-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تبعات ثقافة الإنكار

حبيب راشدين
  • 1561
  • 0
تبعات ثقافة الإنكار

في خضم الفتن التي تعصف بالمجتمعات الإسلامية، ظهر جليا عجز وتخبط النخب بجميع أنواعها ومشاربها، وقد بدت قاصرة عند المواجهة، كما كانت قاصرة في توصيف ظاهرة الجنوح الجماعي نحو العنف، كما نراها تتهرّب من تحمّل نصيبها من المسؤولية.

ما يخيف أكثر من تفاقم الظاهرة وانتشارها بين شرائح متعلمة، هو ذلك الإصرار الأحمق على تبرئة مجتمعاتنا ونخبها من المسؤولية بالقول: إن الظاهرة غريبة عن المجتمعات التونسية، والليبية، والمصرية، والسورية، والعراقية وقس على ذلك، وكأن هذه الألوف المؤلفة من الشباب المنخرط اليوم في أتون الفتن قد وفدت علينا من المريخ، لم تنشأ بين ظهرانينا، وداخل أسر يفترض أن تعاليم الدين الحنيف وتقاليد العيش المشترك قد حصّنت الأكثرية من الجنوح نحو الجريمة العادية، فضلا عن الانخراط في هذا الجنون التدميري الجماعي.

بهذا المنطق المختزِل، يفترض أن نبرئ أيضا ساحة المنظومات التربوية، كما نبرئ معظم الأنظمة السياسية والاجتماعية، أو ندينها جميعا، لأنها تشترك اليوم في تربية وإعداد وتصدير قوافل الشباب المسود لصفوف الجماعات المتهمة بتعاطي العنف الإرهابي.

وحيث أن الظاهرة قد اقترنت في الربع قرن الأخير بالمجتمعات العربية الإسلامية، فقد حقّ على نخبنا أن تلتفت إلى نصيبها من المسؤولية، حتى مع استحضار التوظيف الغربي الواضح للظاهرة في سياق حرب محكمة تريد هدم الدولة وتفكيكها، وتخريب التماسك الاجتماعي، وتوظيف التنوع العرقي والثقافي والمذهبي في إذكاء الاقتتال البيني.

قد لا يتسع المجال لاستعراض مسؤوليات جميع النخب الفاعلة في دولنا ومجتمعاتنا، ولكل نصيبه، لكنا نحتاج إلى التوقف عند مسؤولية النخب الإسلامية الناشئة المتهمة اليوم: إما بتصنيع الظاهرة وتغذيتها، ومنحها الغطاء السياسي والأخلاقي، أو في الحد الأدنى قد تتهم بالفشل في صناعة أفق جذاب للشباب المسلم، كان سيصرفه عن خيار العنف.

وقد سقطت معظم مكوّنات التيار الإسلامي في واحد من المسارين:

الأول  : تصدير وهم التمكين للإسلام عبر المسارات الديمقراطية والتنافس السلمي ببرامج حكم مستنسَخة، ظهر في الحالات القليلة التي تحقق فيها التمكين لأحزاب إسلامية، أنها مجرد حالة توظيف للشعارات الإسلامية لخدمة المنظومة الليبرالية المهيمنة ليس إلا.

الثاني: الهروب إلى الأمام مع الأجنحة المتطرفة، بتصدير وهم التمكين لحكم الإسلام بالقوة القاهرة، يقتضي المبادرة أولا بإسقاط النظم الحاكمة المتهمة جميعا في أدبيات الجماعات بـ”موالاة المشركين والكفار”.

المسار الأول فشل في صناعة أفق مقبول مغر للشباب المسلم، الذي خيبت آماله من قبل النخب القومية والليبرالية، وثبوت انسداد الأفاق أمامه على خلفية الثورات المضادة التي احبطت فرص وصول الإسلاميين إلى السلطة بالطرق السلمية.

أما المسار الثاني فسوف يقود بالضرورة إلى تخريب الدول، والوقوف بمجتمعاتنا عند حالة إفلاس جماعية، لأن القوى المهيمنة التي لم تقبل بتلك النُّسخ المعدّلة جينياً لحكم إسلامي معتدل، متناغم مع كليات وثوابت المنظومة المهيمنة، لن تتردد في حرق الأخضر واليابس، على أن تسمح بقيام كيان اسلامي مستقل، هو أخطر عليها مليون مرة من أي بديل قد تهتدي إليه المجتمعات البشرية للإنعتاق من هيمنة “العقب الحديدي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • جمال

    وهل نسيت المسؤول الأول عن ذلك وهو ما يسمى ب"العلماء" اللذين أصبحوا يفتون بإهدار دم بعضهم البعض لأسباب دنيوية وغنائمية . ألم يحدث ذلك مع القرضاوي والبوطي وما خفي أعظم ! كم هي الفتاوى المفرقة للمسلمين وإهدار دم بعضهم البعض وكأن الله نصبهم لذلك وهو القائل : فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
    إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ. واضح أن دور العلماء إن كان هناك علماء اللذي كان من المفروض أن يكون جامعا مسالما فأصبح مفرقا وعنيفا با

  • عبداني علي

    تتحدث وكأنك ملاحظ من خارج التيار الاسلامي، في حين أن كتاباتك في الماضي والحاضر، تفضح انتمائك ..
    .

  • ابراهيم

    { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ }

  • غريب الدار

    الإسلام في واد والمسلمون في واد آخر والمجتمعات الإسلامية مضطربة بين ماضيها الإسلامي وحاضرها القاتم بعدما تغلغل الكفر والإلحاد في كثير من البلادالإسلامية وكبر حجم الإ نبهار بالغرب الكافر وتأثرالشباب بأخلاقهم الفاسدة من إختلاط ماجن وعري فاضح وشعاراتهم المدمرة للمجتمعات من حريةالمرأة وحرية المعتقد والذي تبنته نخبنا الفاسدة وسخرت له قنوات إعلامية مغرضة مهمتها ضرب قيم الإسلام وثوابته وتشويه علماء الدين ورموزه لمنع التأسي بهم وما لنا إلا الدعاء والتضرع إلى المولى عز وجل أن يعيد الأمة إلى دينها.