تبعات ثقافة الإنكار
في خضم الفتن التي تعصف بالمجتمعات الإسلامية، ظهر جليا عجز وتخبط النخب بجميع أنواعها ومشاربها، وقد بدت قاصرة عند المواجهة، كما كانت قاصرة في توصيف ظاهرة الجنوح الجماعي نحو العنف، كما نراها تتهرّب من تحمّل نصيبها من المسؤولية.
ما يخيف أكثر من تفاقم الظاهرة وانتشارها بين شرائح متعلمة، هو ذلك الإصرار الأحمق على تبرئة مجتمعاتنا ونخبها من المسؤولية بالقول: إن الظاهرة غريبة عن المجتمعات التونسية، والليبية، والمصرية، والسورية، والعراقية وقس على ذلك، وكأن هذه الألوف المؤلفة من الشباب المنخرط اليوم في أتون الفتن قد وفدت علينا من المريخ، لم تنشأ بين ظهرانينا، وداخل أسر يفترض أن تعاليم الدين الحنيف وتقاليد العيش المشترك قد حصّنت الأكثرية من الجنوح نحو الجريمة العادية، فضلا عن الانخراط في هذا الجنون التدميري الجماعي.
بهذا المنطق المختزِل، يفترض أن نبرئ أيضا ساحة المنظومات التربوية، كما نبرئ معظم الأنظمة السياسية والاجتماعية، أو ندينها جميعا، لأنها تشترك اليوم في تربية وإعداد وتصدير قوافل الشباب المسود لصفوف الجماعات المتهمة بتعاطي العنف الإرهابي.
وحيث أن الظاهرة قد اقترنت في الربع قرن الأخير بالمجتمعات العربية الإسلامية، فقد حقّ على نخبنا أن تلتفت إلى نصيبها من المسؤولية، حتى مع استحضار التوظيف الغربي الواضح للظاهرة في سياق حرب محكمة تريد هدم الدولة وتفكيكها، وتخريب التماسك الاجتماعي، وتوظيف التنوع العرقي والثقافي والمذهبي في إذكاء الاقتتال البيني.
قد لا يتسع المجال لاستعراض مسؤوليات جميع النخب الفاعلة في دولنا ومجتمعاتنا، ولكل نصيبه، لكنا نحتاج إلى التوقف عند مسؤولية النخب الإسلامية الناشئة المتهمة اليوم: إما بتصنيع الظاهرة وتغذيتها، ومنحها الغطاء السياسي والأخلاقي، أو في الحد الأدنى قد تتهم بالفشل في صناعة أفق جذاب للشباب المسلم، كان سيصرفه عن خيار العنف.
وقد سقطت معظم مكوّنات التيار الإسلامي في واحد من المسارين:
الأول : تصدير وهم التمكين للإسلام عبر المسارات الديمقراطية والتنافس السلمي ببرامج حكم مستنسَخة، ظهر في الحالات القليلة التي تحقق فيها التمكين لأحزاب إسلامية، أنها مجرد حالة توظيف للشعارات الإسلامية لخدمة المنظومة الليبرالية المهيمنة ليس إلا.
الثاني: الهروب إلى الأمام مع الأجنحة المتطرفة، بتصدير وهم التمكين لحكم الإسلام بالقوة القاهرة، يقتضي المبادرة أولا بإسقاط النظم الحاكمة المتهمة جميعا في أدبيات الجماعات بـ”موالاة المشركين والكفار”.
المسار الأول فشل في صناعة أفق مقبول مغر للشباب المسلم، الذي خيبت آماله من قبل النخب القومية والليبرالية، وثبوت انسداد الأفاق أمامه على خلفية الثورات المضادة التي احبطت فرص وصول الإسلاميين إلى السلطة بالطرق السلمية.
أما المسار الثاني فسوف يقود بالضرورة إلى تخريب الدول، والوقوف بمجتمعاتنا عند حالة إفلاس جماعية، لأن القوى المهيمنة التي لم تقبل بتلك النُّسخ المعدّلة جينياً لحكم إسلامي معتدل، متناغم مع كليات وثوابت المنظومة المهيمنة، لن تتردد في حرق الأخضر واليابس، على أن تسمح بقيام كيان اسلامي مستقل، هو أخطر عليها مليون مرة من أي بديل قد تهتدي إليه المجتمعات البشرية للإنعتاق من هيمنة “العقب الحديدي”.