تبون يدخل قصر المرادية هذا الخميس ويشرع في تفكيك “القنابل”
يدخل الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون، الخميس مكتبه بقصر الرئاسة، وذلك بعد تأدية اليمين الدستورية، لينطلق بذلك بصفة رسمية عداد عهدة الرئيس الثامن للجزائر، تحت ضغط أزمة متعددة الأوجه وتعقيدات داخلية وخارجية، ووضعية سياسية معقدة، يزيدها تعقيدا ملفات اقتصادية ومالية حارقة، تلزمه بحساب أولى خطواته على البساط الأحمر حسابات جيدة .
تحقق القليل ويبقى الكثير والكثير ينتظر عبد المجيد تبون، الذي يعتلي كرسي القاضي الأول في البلاد بصفة رسمية، بعد تأديته اليمين الدستورية صباح غد الخميس، وسط حضور جميع المؤسسات والهيئات الرسمية، بعد أن رسم المجلس الدستوري فوزه بالأغلبية برئاسة البلاد في انتخابات كانت استثنائية، ويرجح أن يتوجه الرئيس الجديد بخطاب للأمة، يبرز من خلاله أولوياته في تسيير شؤون البلاد، وتصوره لحل الأزمة المتعددة الجوانب الناتجة عن سنوات من التسيير العشوائي والاعتباطي لدولة تكتمل لديها عناصر تحقيق الإقلاع الاقتصادي، والاستقرار السياسي، إلا أنه لم يتحقق .
تعقيدات داخلية وأزمة سياسية
طريق تبون الذي سيلتحق بمكتبه بالمرادية هذا الخميس، مباشرة بعد انتهاء مراسيم أداء اليمين الدستورية، لن يكون سهلا، كما أنه محفوف بالمخاطر وملغم، وإن الرجل المتمرس في دواليب السلطة يدرك جيدا عمق وخطورة، الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، وقد أبان عن ذلك الوعي والإدراك خلال الندوة الصحفية التي نشطها عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، والتي وصفها المتابعون للشأن السياسي بالخرجة الموفقة خاصة عندما تحدث عن ضرورة تحقيق التوافق الداخلي، والحفاظ على الوحدة الوطنية وإعادة اللحمة بين أبناء الجزائر، وتصحيح “الخطايا” التي تضمنها الدستور، وحل الهيئات الموروثة عن نظام فاسد ثارت ضده الإرادة الشعبية.
أمام الرئيس صاحب مشروع الجزائر الجديدة تحديات كبرى، تتصدرها الأزمة السياسية، وحراك دخل شهره العاشر بسقف مطالب مازال يرتفع، وتحرشات من الخارج بلغت حد محاولات تدويل الشأن الداخلي للجزائر، الأمر الذي يستوجب على الرئيس المنتخب الإسراع والتعجيل في تحقيق التوافق الداخلي، واستعادة هدوء الشارع، من خلال بحث قنوات حقيقية ووضع آليات حوار جاد مع شباب الحراك وممثليه الحقيقيين، بعيدا عن المزايدات والابتزاز والمساومة، للوصول إلى حل جزء من الأزمة السياسية، قبل الالتفات إلى فتح حوار وطني مع جميع الأطياف والألوان السياسية، لوضع حل نهائي لأزمة سياسية اتخذها النظام السابق بيئة مناسبة ليعشش لأكبر فترة ممكنة.. حوار وطني ينبثق عنه دستور غير قابل للخياطة على المقاس مجددا، ويؤسس لبيئة وممارسة سياسية نقية تؤمن بالمنافسة النزيهة وتباين الإيديولوجيات واختلاف الآراء .
إجراءت تهدئة في أول خطاب للأمة
تبون صاحب التجربة السياسية والرجل المحنك والباع الطويل في تسيير الشأن الوطني بمختلف مستوياته، ملزم بتحقيق الهدوء السياسي والسلم الاجتماعي، والأكيد سيعلن فور استلام مهامه وغير مستبعد أن يكون ذلك ضمن خطابه الأول للأمة إجراءات تهدئة كبيرة، تستهدف الحراك على وجه الخصوص، ذلك لأن الوجه الآخر للأزمة أشد تعقيدا من الأزمة السياسية، فالقنابل الموقوتة التي تطبع الوضع الاقتصادي والشح المالي الذي تعانيه البلاد منذ النصف الثاني من سنة 2014، بدأت ترتسم نتائجه في الواقع الاجتماعي للجزائريين .
فالأرقام والمؤشرات الاقتصادية كلها باللون الأحمر منذ مدة، ورغم ذلك حكومة نور الدين بدوي التي كان يفترض فيها على أنها حكومة تصريف أعمال، لم تراع ذلك، وأقدمت على مجموعة من القرارات زادت الوضعية الاقتصادية صعوبة، فدفع المديونية الخارجية التي تغنى بها الرئيس المستقيل لسنوات طوال أصبحت مديونية داخلية يدفع ثمنها الجزائريون من جيوبهم ومن قدراتهم المعيشية.
الوضع المالي.. جمرة حارقة
فالجزائر التي سيرها بوتفليقة لسنوات، وهي تتمتع بمداخيل ضخمة من العملة الصعبة المتأتية من الريع النفطي، وباحتياطي صرف كان يفوق 200 مليار دولار، سلمها للجزائريين ولخليفته عبد المجيد تبون بدين داخلي وصل مستواه إلى أكثر من 7500 مليار دينار ما يعادل 37 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، بسبب طبع النقود، كما يستلمها وهي تواجه مشاكل في توفير موارد مالية للتكفل بنفقاتها التي أصبح تقليصها من المستحيلات السبع، ذلك لأن تبعات التقليص من شأنها أن تحدث اضطرابات اقتصادية واجتماعية، كما أن نفقات التجهيز المقدرة بـ2929 مليار دينار في سنة 2020، تعد في خانة غير القابلة للمساس لما له من تأثير في وتيرة نمو الاقتصاد الوطني.، أضف إلى ذلك ميزانية التسيير المؤهلة للارتفاع إلى حدود 5000 مليار دينار بفعل قرار إدماج أزيد من 400 ألف متعاقد .
الوافد الجديد على قصر المرادية والحامل لشهادة تخصص في الاقتصاد، مهمته في الشق الاقتصادي تزداد صعوبة وتصبح “جمرة” تلفح يديه عندما نقف عند مؤشر احتياطات الصرف التي انكمشت وانخفضت إلى مستوى 51 مليار دولار، أي ما يكفي لتغطية 12 شهرا من فاتورة الاستيراد فقط، وذلك بسبب استمرار تسجيل عجز ميزان المدفوعات، هذا العجز المقدر بـ8.7 ملايير دولار في 2020، و6.6 ملايير دولار في 2021، و5.3 ملايير دولار في 2022.
هدنة لتحقيق مطالب مؤجلة
مكتب الرئيس سيجده تبون مثقلا بالملفات الصعبة، ولعل وعيه بحجم هذه الصعوبة يتخطى وعي الجميع ذلك لأنها لا تشكل بالنسبة له ملفات جديدة، فهي تراكمات فترة طويلة من التسيير كان الرجل يقاومه من داخل الجهاز التنفيذي وبصفة دورية كل أسبوع في مواجهاته مع وزيره الأول في ذلك الوقت فالرقاب ستبقى تشرئب والأنظار تتجه صوب قصر المرادية يوميا، ومدى التزام الرئيس بوعوده التي أقرها في برنامجه الانتخابي ستكون تحت المجهر ساعة بساعة. الجزائريون أظهروا في العديد من المحطات التاريخية أن لديهم طاقة كبيرة على الصبر، ويدركون جيدا الوضع المالي للبلاد، والأكيد أنهم سيمنحون الرئيس الذي زكاه قرابة 5 مليون جزائري الفرصة لتنفيذ وعوده وعلى رأسها رهانه في استرجاع الأموال المنهوبة والمهربة الى الخارج ..
الجزائريون سيصبرون لتمكين الرئيس من الجو المواتي والملائم للعمل، إلا أنهم سيطالبون بحماية المال العام وحماية قدرتهم الشرائية، التي تنهار يوما بعد يوم، ومن المرجح أن يؤجل الجزائريون مطالبتهم برفع الأجور أو رفع قيمة الدينار، من خلال رفع معدلات النمو، كما لن يطالبوا بإلغاء الضرائب إلا أنهم سيؤجلون كل هذا لسنة أو سنتين، إلا أنهم سيعودون ويطالبون بحسب بارومتر تحسن الوضع الاقتصادي للبلاد ومدى حلحلة الأزمة السياسية .