تجوال مرضي
مع أن تسيير الموارد البشرية وضف إليها الاقتصاديات العالمية تتجه إلى تقليص الهوة بين ما هو عمومي، وخاص، إلا أن الشرخ في الحالة الجزائرية يزداد اتساعا على الأقل في مسألتين حساستين جدا، تتعلقان بأساس التنمية وهو تكوين الإنسان:
المسألة الأولى مرتبطة باتهام أساتذة ومعلمين بإفراغ مدارس الدولة لصالح المدارس الخاصة، أو لصالح الدروس الخصوصية للحساب الخاص المباشر.
والتحذير في هذا الشأن ليس جديدا بعد أن دعت نقابات التربية وجمعيات أولياء التلاميذ إلى تدارك الوضع قبل فوات الأوان، وبعد أن نظمت وزارة التربية أياما دراسية حول الدروس الخصوصية توّجت ببيان مهم عنوانه الكبير.. ليس بالإمكان أكثر مما كان.. أو هذا شر لا بد منه!
المسألة الثانية مرتبطة بقطاع الصحة العمومية، وهي الساحة الموبوءة التي أصيبت بعدوى “التجوال المرضي” على وزن التجوال السياسي (كما هو في حال الأحزاب مع المقاعد البرلمانية).
قبيل عدوى التجوال التعليمي، والعملية استحقت لقبا ملطفا إسمه الأنشطة التكميلية.. أي أن الكادر الصحي يعمل بالأساس في القطاع العمومي ويكمله في الخاص.
هذا الانتقال من العام إلى الخاص يعكس فكرا عاما استشرى في عالم البزنسة، وضرب الصحة مع عودة أمراض بادت وما سادت تستحي المنظمة العالمية للصحة من ذكرها كالسل والطاعون والتيفوئيد…
كما ضرب التربية مع الحديث عن انحدار المستوى وتدهور ابجديات العمل تنظيما وتأطيرا وتقييما ولهذا نشاهد موجات هجرة أو موجات تهريب من وإلى القطاعين من دون أن يصحبه تحسن في المستوى بدليل أن نسبة النجاح في التربية في القطاع الخاص هي الأضعف، ورداءة الخدمات الطبية في العيادات الخاصة لا تقل عن نظيرتها في العمومي..
لهذا تبدأ مسؤولية الحكومة وتنتهي عند واحد: تنظيم القطاع العمومي بقوانين تضبط التزامات كل فئة وداخلها كل موظف فيه بأداء عمله وفق مردود محدّد وحجم ساعي وبمواصفات مقبولة دون مزاجية أو ارتباك، اثنان: اجبار القطاع الخاص على توظيف نسبة أعلى من الإطارات الدائمة المصرح بها لدى الضمان الاجتماعي في إطار عملية امتصاص البطالة، وليس في إطار تدوير العمال على طريقة تدوير المال من دون أن يؤي إلى استثمار أو رفع للقدرة الانتاجية..
وهذا كله مرتبط بوضع سياسة واقعية لتسيير الموارد البشرية في هذين القطاعين الخطيرين، خاصة أنهما يمثلان أقرب نقطة للمطالبة بالتغيير.