تحرير الأرض وتحرير التاريخ
كتب الأستاذ محمد الشريف ساحلي في بداية الستينيات رسالة صغيرة باللغة الفرنسية تحت عنوان ذي دلالة عميقة “لمن كان له قلب أو ألقى السمع، وهو شهيد”، هذا العنوان هو “حرّروا التاريخ”، وكأنه أحسّ أن تحرير الأرض فقط لا يكفي..
من أخطر الأسلحة التي استعملتها فرنسا ضد الجزائريين “سلاح التاريخ”، فأسّست الجمعيات التاريخية، وكتبت الكتب، ونشرت المجلات، وجميعا تصبّ في فكرة واحدة هي أن الجزائر كما سماها بعضهم “أرض مفتوحة”، فهي لمن غلب، وأن الشعب الجزائري “شعب عقيم”، لم ينتج فكرا، ولم يبدع أدبا، ولم ينشئ حضارة، ولم يؤسس دولة.
وأقصى ما “تكرم” به علينا بعض الفرنسيين هو مقولة رئيس حزبهم الشيوعي، الذي هو “نبيّ شيوعيينا موريس توريز، وهي: “الجزائريون أمة في طور التكوين”، – بفضل فرنسا طبعا- وهي تتألف من عشرين عرقا…
لم يجد الجزائريون كتبا تاريخية يردون بها أكاذيب الفرنسيين ودعاواهم الباطلة، خاصة أن الجزائر كانت عبارة عن سجن كبير فلم هناك احتكاك ذو شأن مع إخواننا عن يمين وشمال، لأن جزءا كبيرا من تاريخنا هو مشترك بيننا بإيجابياته وسلبياته، وكان الشيخ مبارك الميلي – وكانت له قراءات تاريخية- قد أحسّ بضرورة فعل شيء ما، وشعر كأنه “تعيّن” عليه أن يؤدي هذا “الواجب الكبير”، رغم أنه لا يملك أدواته ووسائله، ولكن معارفه شجّعوه، وأعانه بعض من لهم القدرة على إمداده ببعض النصوص المترجمة من اللغة الفرنسية، فعزم وتوكّل على الله، وهو في الأغواط، وكتب ما اعتبر به “شيخ المؤرخين الجزائريين”، أو “رائد المدرسة التاريخية الجزائرية”، وقد رد الدكتور أبو القاسم سعد الله على من وصفه بالوصفين السابقين قائلا: “إن هناك من هو أجدر مني بهذا اللقب، وهو مبارك الميلي”. (انظر: المدرسة التاريخية الجزائرية تأليف جماعي، ص 124) لقد كانت فرحة الجزائريين كبيرة بصدور كتاب الميلي، الذي سماه “تاريخ الجزائر في القديم والحديث”. وقد عبّر عن هذه الفرحة باسمهم إمامهم عبد الحميد ابن باديس، خاصة أن الجزء الأول طبع قبيل احتفال الفرنسيين بما سموه “سانتنير”، فبادر الإمام ابن باديس إلى الكتابة إلى الشيخ مبارك مهنئا ومعبرا عما في صدره، ومما قاله: “لو سمّيته حياة الجزائر لكان بذلك خليقا”.. (انظر نص الرسالة في كتاب “تاريخ الجائر في القديم والحديث”).
لقد انتهت الحرب المسلحة مع الفرنسيين، ولكن حربهم النفسية، وفي مقدمتها التاريخ تزداد ضراوة وتسعرا يوما بعد يوم طمعا من الفرنسيين في تحقيق ونيل ما لم ينالوه بالقوة.. خاصة أن شبان هذا الجيل لم يروا جرائم فرنسا، وسينخدعون لأقوال الفرنسيين الكاذبين، ومنهم أحد المترشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة، الذي كذب عندما قال إن وجود فرنسا في الجزائر كان من أجل التبادل الثقافي.