تحرير الإدارة من بيروقراطية السلطة
الإجراءات الاستعجالية التي اتخذتها الحكومة مؤخرا للحد من التغول البيروقراطي، كفيلة بلا شك بتحسين الخدمة العمومية، وتخفيف العبء على المواطنين متى كتب لها التطبيق الفعلي، والرقابة الصارمة من الوصاية، وهي تحسب للحكومة حتى وإن كانت قاصرة تفتقر لأداة القهر والإلزام.
فالإجراءات لم تكن جريئة بما يكفي، وقد عالجت الأعراض الظاهرة للبيروقراطية، ليس إلا، بجملة من المسكنات الظرفية مثل: “نشر قائمة الوثائق المكونة للملفات المطلوبة، وتكييف مواقيت الافتتاح، وأيام استقبال المواطنين، وتقليص عدد الوثائق المكونة للملفات الإدارية، والحلول محل المواطن عند الإمكان لطلب المعلومات الضرورية لهذا الغرض، والمطابقة للأصل والمصادقة على الوثائق من طرف المصلحة المعنية بالوثيقة المطلوبة”.
غير أنه، وعند التحليل، سوف نكتشف أن الجزء الأكبر من المعوقات البيروقراطية كان دائما من مسؤولية الحكومة والمشرع، اللذين أثقلا كاهل المواطن والموظف بواجب تجميع ملفات ضخمة، بقوائم لا تحصى من الوثائق، كل وثيقة يحتاج استخراجها إلى ملف آخر من الوثائق، في دورة مرهقة للمواطن، وهو يتنقل بين شبابيك إدارة تسرح به بالطول والعرض، حتى يضطر إلى أحد الخيارين: البحث عن وسيط من المعارف، أو التلويح بالإكرامية، ما لم يسبقه الموظف إلى العرض الصريح بدفع الرشوة.
كثير من الإجراءات المقترحة كان معمولا بها من قبل نظريا، دون ان تقدم أو تؤخر في الأمر شيئا، مثل: نظام التذكرة، سجل الشكاوى، الوسيط، ولن تنتج اصلاحا حقيقيا للسلوك البيروقراطي الذي هو سلوك سلطة، وليس محض إخفاق إدارة في تقديم خدمة عمومية.
إصلاح الخدمة العمومية الذي لم يقترب منه بعد الوزير المنتدب، يكون عبر مراجعة التشريعات المنظمة للنشاطات البشرية، تبدأ بإصدار بطاقة وطنية بيومترية مخزنة للمعلومات الخاصة بهوية المواطن، تعفيه من مراجعة إدارات الأحوال الشخصية، وتنتهي باستحداث بنك معلومات إداري مؤمن، يسمح لأية إدارة بالتدقيق في المعلومات التي يحتاجها تكوين أي ملف، ومراجعة تشريعاتنا المليئة بالاشتراطات البيروقراطية، مع لجم الحكومة والوزارات والإدارات الكبرى، ومنعها من تلغيم القوانين بالمعوقات البيروقراطية، عبر القوانين التنفيذية والتعليمات، التي تكون في الغالب منجما منتجا للمعوقات البيروقراطية.
ويبقى أمام الجهة المكلفة بإصلاح الخدمة العمومية معوق رئيس، ليس في متناولها، ولا في متناول الحكومة، أو حتى المشرع، لأنه يحتاج إلى تشريع دستوري مبدع، يمنح للإدارة استقلالية حقيقية عن السلطة الوصية، ويحميها من تغول السلطة التي تعول في الغالب على الجهاز البيروقراطي الخاضع، لقضاء حاجات المتنفذين والأحبة من العشيرة، فيما تعوق مصالح السواد الأعظم من المواطنين.
وسوف أثق أكثر في أي اجراء اصلاحي للخدمة العمومية، حين يصدر تشريع ملزم يعدد ويصف الجنح والجرائم الإدارية، ويفتح أمام المواطن فرصة مقاضاة الظالم الإداري بوصفه جنحة أو جريمة، تعاقب بالحبس والغرامة، كما يتعامل القانون مع سائر المخالفات والجنح والجرائم التي يرتكبها المواطن.