الرأي

تحرير العقل العربي من جاذبية “الآبار السود”

حبيب راشدين
  • 2477
  • 13

لا بد أن نعترف أن العقل العربي عالق في أفق “بئر فلكية سوداء” تجذبه عبر “أنفاق دودية” إلى موطن السحق، أو هو مصاب بلوثة مزمنة، هي نتاج لما خضع له من تنكيل متواصل منذ قرون، وهو ينتقل من أجواء الحروب الصليبية، إلى الاستعمار، إلى حالة التقسيم والتشرذم عبر مسار “سايكس ـ بيكو”، ليبتلى بعد ذلك بنكبته الكبرى في فلسطين، وبصعود نخب فاقدة لبوصلة التاريخ، غير قادرة على إنتاج فكر عربي عقلاني متوازن، قادر في الحد الأدنى على التمييز بين العدو والصديق، متمكن من أدوات إدارة معارك الأمة المشتركة بذكاء وحصافة، وبقدر من البراغماتية، وبتحكيم مبدإ القاعدة الشرعية: “ما لا يدرك كله لا يترك جله”.

الصراع العربي الصهيوني، الذي هو الواجهة المكشوفة لصراعنا الدائم مع العدو الغربي الأصيل، يعري دائما ضحالة العقل العربي عند العامة كما عند الخاصة، ويكشف عن البون الشاسع بين مقدرات الصمود والتصدي والمقاومة التي لم تفتقر إليها الشعوب العربية، وبين إدارة النخب العربية الفاشلة للمعارك على الأرض، في السلم كما في الحرب، وانسياقها السريع للأساطير التي يصنعها لنا العدو، والسقوط في الكمائن التي ينصبها لنا كل حين.

وحيث ليس بأيدينا الآن تغيير هذا النظام العربي، فحري بنا ألا نتخذ منه عدوا بديلا عن العدو الأصيل، بل نبحث معه عما هو متاح ميسر له لنصرة قضايانا، ونتبع معه قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، فلا نلقي بالصبي مع ماء الطهارة، فإذا كان بوسع قطر أن تسخر بعضا من مالها، أو من علاقاتها مع العدو لصالح القضية نقبله منها، ولا نؤاخذها الآن بالقواعد الأمريكية، ومثله نصنعه مع دول الخليج، ومع النظام المصري الجديد الذي يريد بعضنا أن يحشره في موقع يدفع به حتما إلى الارتماء مجددا في أحضان أمريكا أكثر مما كان عليه زمن السادات ومبارك، فإذا كان بوسعنا أن نستدرجه إلى صفنا ولو بنسبة واحد بالمائة، نفعل، ونشعره بأن قبوله رفع الحصار عن غزة هو مصلحة مصرية قبل أن تكون فلسطينية، ثم لا نلزمه بما لا يطيق.

نحن مطالبون بمنع مزيد من ارتماء حكامنا في أحضان العدو، ونلتفت إلى أخطائنا كشعوب ونخب وسوء تقديرنا للمواقف، ونسأل هل كسبنا حليفا بعد أن صفق بعضنا للعدوان الأمريكي على العراق ثم لمشهد شنق رئيسه صدام؟ وهل كسبنا حليفا لقضيتنا باشتراكنا مع النيتوفي تفكيك نظام الجماهيرية والعبث بجثة القذافي؟ وهل رفع الحصار عن غزة مع رئيس إسلامي منتخب؟ وهل كسبت المقاومة حلفاء جددا حين دخلت في عداء مفتوح مع النظام السوري؟ وهل ستوفر فرصا أفضل لشعب غزة المحاصر بالدخول في خصومة هكذا مع النظام المصري الجديد؟ أسئلة كثيرة أريد للقارئ أن يتدبرها بعقله وبصيرته، لا بمشاعره المكلومة أو بأهوائه المضللة للعقل، وليسأل دائما عن العدو الأصيل: هل هو مصر وسلاطين الخليج وتركيا وإيران وكرزايات العرب المغلوبين على أمرهم، أم إن العدو التاريخي الأصيل هو أمريكا والغرب وهذا الكيان اللعين؟ 

مقالات ذات صلة