الرأي

تحيا التشيبا!

جمال لعلامي
  • 2208
  • 0

عندما ينشر الديوان الوطني للإحصائيات الغسيل على المشجب، ويفضح المستور ويعترف ويقول بأن 74 بالمئة من الموظفين تمّ توظيفهم عن طريق “المعريفة” و”الكتاف”، والوساطات والتدخلات، أي أن 26 بالمئة فقط وُظفوا بطرق أخرى، فهذا لا يستدعي فقط دق ناقوس الخطر، ولكن يتطلب والعياذ بالله القفز بالزانة من قمّة جبال الأسكرام!

 التوظيف بـ”المعريفة” قد لا يختلف كثيرا عن التوظيف بالمحاباة والمحسوبية، والتوظيف بالتمييز والمفاضلة، والتوظيف بـ”التشيبا”، لكن التوظيف بالمعريفة لا يعني بالضرورة توظيف من لا يستحقون الوظيفة، أو توظيف الأيادي المكسورة وعديمي الشهادات والكفاءات!

المصيبة ليس في الاستنجاد بالمعريفة كحل سريع وقوة سحرية تقول للوظيفة كوني فتكون، وإنـّما مصيبة المصائب هو عندما يلجأ حامل الشهادة الجامعية وصاحب الخبرة والتجربة والكفء والمؤهل، إلى هذه “المعريفة” لضمان التشغيل، أو على الأقل الوصول إليها في أقرب وقت وبأقلّ التكاليف!

نعم، “المعريفة” أو الوساطة، ليست عيبا ولا عارا سواء لطالبها أو محققها، لكن لماذا لا تـُستبدل هذه الطريقة والوسيلة في التوظيف بمقاييس أكثر شفافية وجدوى وأكثر نجاعة، بوسعها أن تضمن بعد التشغيل الإنتاج والإنتاجية، وتقضي على وباء الاتكال والتسيّب والإهمال والتقاعس، والتسكـّع بمكاتب وورشات مناصب الشغل؟

الطامّة الكبرى أن “المعريفة” تحوّلت إلى “كوليرا” لا تفرّق بين الضحايا من حيث السنّ والجنس واللون، والمثير للخوف، هو أن هذه “المعريفة” أصبحت تـُستغل للشرّ بدل الخير، حيث يتشجع المستفيد منها في كثير من الحالات والنماذج، على سرقة الوقت و”التعنتير”، وعدم التفاني في الوظيفة، والأخطر من ذلك، إيذاء الزملاء والمجتمع بها!

قد تكون “المعريفة” أحيانا اختيارية، وقد تكون اضطرارية، وقد تكون اللاثقة وغياب المصداقية والوضوح سببا مباشرا للبحث عنها، وربما تخصيص “أجرة” لشرائها، أو “تشيبا” للوصول إليها وإغراء موفـّرها أو الوسيط بين طالب المعريفة وصانع هذه المعريفة!

لا يُمكن لمن وجد نفسه في ضائقة أن لا يسأل عن “معريفة” تجنـّبه الشقاء وتحقق له حلمه، أو على الأقل تسهـّل له رزقه، وإن كان الرزق على الله، لكن لماذا لا تـُلغى هذه المعريفة، وتحلّ محلها معايير أخرى أكثر عدلا، فيصبح 74 بالمئة من الجزائريين موظفين بالكفاءة والشهادة والخبرة، والنسبة المتبقية موظفون بالمعريفة؟

 

المثير للشفقة والاستفزاز والقنطة، هو أن هذه “المعريفة” أصبحت مفروضة على الجميع، ولا بديل لها، في الإدارات والمستشفيات والشركات والأسواق والشارع، وفي كلّ مكان وزمان، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم في هذا المرض الذي ينهش المجتمع!

مقالات ذات صلة