-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
البروفيسور سعيد شيبان رحمه الله في حوار سابق لـ"التبيان":

“تخصصي الطبي لم يمنعنِ أبدا من الاهتمام بالدراسات القرآنية”

حاوره: البروفيسور مولود عويمر
  • 1029
  • 0
“تخصصي الطبي لم يمنعنِ أبدا من الاهتمام بالدراسات القرآنية”
أرشيف

التقينا العالم والوزير الأسبق البروفيسور سعيد شيبان على هامش زيارته لمكتب مجلة “التبيان”، فكان معه الحوار التالي الذي تحدث فيه عن مساره العامر، وأعماله المتعددة، فهو يجمع بين ثقافتين: الأصيلة والمعاصرة، بدون الشعور بالتناقض والاغتراب، وساهم في العمل الطلابي للدفاع عن القضية الوطنية من دون أن ينقطع عن دراسة الطب لينال أرفع الشهادات، ومارس مهنة الطبيب قرابة نصف قرن بدون أن يبتعد عن العمل الفكري.

نبدأ هذا اللقاء بالتعرف على مرحلة طفولتك في مسقط رأسك وفي الجزائر العاصمة. ما هي أبرز ملامحها وأهم محطاتها؟
ولدت في 2 أفريل 1925 في قرية الشرفة بدائرة مشدالة (ولاية البويرة). وترعرعت في أسرة فلاحية بين أبوين كريمين ورِعين وإخوة صالحين من بينهم الشيخ عبد الرحمان شيبان رحمه الله. بدأت في الشرفة بحفظ السور القصار من القرآن الكريم في المسجد العتيق، ثم سجلت أنا وأخي عبد الرحمان في المدرسة الفرنسية للأهالي في أولاد إبراهيم في أعالي مشدالة. وحصلت على الشهادة الابتدائية في ماي 1937. ثم أرسلني والدي لمواصلة دراستي في إكمالية بالجزائر العاصمة وهي موجودة بالضبط داخل ثانوية المقراني بابن عكنون. اخترت في هذه المرحلة لغة ثانية وهي اللغة العربية، ثم اللغة اللاتينية للدراسة. وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية في سنة 1939، انتقلت الثانوية إلى مدرسة تكوين المعلمين ببوزريعة. ورجعنا بعد سنة إلى ثانوية المقراني وهناك اخترت لغة أخرى للدراسة وهي الألمانية. وقد درست في السنة الدراسية 1941-1942 اللغة العربية عند الأستاذ حمزة بوبكر، وهو الذي أرشدني إلى قراءة كتاب “الأيام” للأديب المصري المعروف الدكتور طه حسين. وقد قرأته بنهم ومازلت إلى الآن أحفظ بعض عباراته وقد استعنت على قراءته ببعض القواميس والمعاجم التي أهداها إليَّ والدي، وكانت هذه القراءة فتحا عظيما بالنسبة لي. وتوقفت عن الدراسة من 1942 إلى 1943 بسبب تعرض ثانوية بيجو (الأمير عبد القادر حاليا) للقَنْبَلة من طرف الطائرات الألمانية. وفي هذه الفترة اغتنمت الفرصة لتعلم العربية بشكل جيد في المسجد العتيق عند الشيخ أرزقي بن شبانة، والتفرغ للمطالعة في مكتبة أخي الشيخ عبد الرحمان التي كانت تحتوي على أهم الكتب الأدبية والفكرية للمؤلفين العرب وبعض الغربيين. وفي العام الدراسي 1943-1944 التحقت بالثانوية في مليانة وفيها تعرفت على آيت عمران، وحسين آيت أحمد وعمر أوصديق… وغيرهم من الطلبة الذين سيكون لهم دورٌ بارز في الحركة الوطنية والثورة التحريرية.

أنت درستَ في المدرسة الفرنسية وتعلمت الفرنسية والألمانية واللاتينية، وفي الوقت نفسه درست في المدرسة العربية الحرة وتعمقت في تعلم اللغة العربية والولوج في الثقافة الإسلامية. ألم تشعر في لحظة من اللحظات بالاغتراب أو التناقض بين التعليمين والتصادم بين الثقافتين؟

لم يكن هناك تناقضٌ أو اختلاف بالنسبة لي، وأود أن أنبّه إلى أن المعلمين الفرنسيين لم يكونوا يقصدوننا بالبرامج المعدة في التعليم الرسمي في ذلك الوقت، لأنها كانت معدة للتلاميذ الفرنسيين، ونحن الجزائريين لم يكن لنا شك في هويتنا وحبنا للإسلام والعربية. أما اللغة الفرنسية فكنا نستعملها كوسيلة وأنا شخصيا لم أعش تناقضا بين التعليمين، ولم تؤثر المدرسة الفرنسية على هويتي وثقافتي العربية الإسلامية.

ما هي الشخصيات التي عرفتَها في الثانوية وكان لها نشاط سياسي بارز آنذاك، ثم صار لها دورٌ بارز في مستقبل الحركة الوطنية والثورة الجزائرية؟
في دراستي في ثانوية مليانة استفدت من أمرين: أولا، استفدت من الدخول إلى الكشافة الإسلامية “فرع الخلدونية” الذي أسسه محمد بوراس رحمه الله وانسجمنا معه. قمنا ببعض النشاطات السرية مثل توزيع نشرية “الكفاح”، وترديد أناشيد وطنية مثل “من جبالنا” و”شعب الجزائري مسلم” و”موطني”، وهي من وضع شعراء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لكننا لم نكن نعرف ذلك آنذاك. ثانيا: قمنا بنشاطات داخل مسجد سيدي أمحمد بن يوسف الذي كان يتردد عليه الطلبة الذين درسوا في جامع القرويين بالمغرب.

نواصل حديثنا الآن عن مرحلة الجامعة. فيم تخصصت؟ ومن هم الأساتذة الفرنسيون الذين تأثرت بهم؟
في الجزائر سجلت في التمهيدي في الطب بعد الحصول على الثانوية في عام 1946، ثم سافرت إلى ألمانيا والتحقت بجامعة ستراسبورغ فكانت أولا فرصة للالتقاء بالإخوة المشارقة مما جعلني أتمرن أكثر على الحديث باللغة العربية. وثانيا كنتُ أترجم لهم الدروس إلى العربية. ومن الطلبة الذين تعرَّفت عليهم في هذه المرحلة: محسن أسود الذي أصبح أستاذا لجراحة الصدر بدمشق وغيرهم من الأصدقاء من مصر والعراق، وقد أفادني كثيرا اللقاء بهم.
وجاء إضراب ماي 1956 وتوقف كل شيء. ثم قدمت أطروحتي في جويلية 1958 التي كانت جاهزة قبل عامين من تلك السنة. ونجحت في عام 1959 في امتحان تخصص طب العيون.
لقد تأثرتُ بأستاذين، أولهما الأستاذ آرون وهو مختص في علم الوظائف، والأستاذ كايزر وهو قمة من قمم علم الفيزيولوجيا. ولكن الذي ترك فيّ أثرا قويا هو الأستاذ ماكس آرون، وهو من أشهر علماء البيولوجيا في فرنسا والعالم. وأذكر أنه في يوم من الأيام أتى ليراقب عملنا مع المجهر وأثناء الفحوص سألنا: هل تعرفون الكاتب لوكونت دو نوي؟ فنبهنا إلى هذا العالم الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء، ومؤلف حول العلاقة بين العقيدة والعلم. وفي طب العيون تأثرت بالأستاذ رايتر سلوب، واستفدت منه كثيرا، وكذلك الأستاذ نوردمان الذي دعمني كثيرا.

هل كانت لك نشاطاتٌ سياسية وأنت تدرس في جامعة الجزائر ثم في جامعة ستراسبورغ؟

شاركت مع عبد الرحمان كيوان في المؤتمر الأول للطلبة العرب المنعقد في باريس في ربيع 1947. كما شاركت في تمثيل مسرحية في قاعة المسرح (المسرح الوطني محيي الدين باش تارزي حاليا)، باسم جمعية طلبة شمال إفريقيا، وقد حضرها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وعدة شخصيات جزائرية، وذلك لجمع المال للطلبة المعوزين. وقدَّمت محاضرة في نادي الطلبة حول موضوع “الاندفاع الثوري للإسلام”، وهذا ردا على محاضرة ألقاها مسؤول من الحزب الشيوعي الجزائري فيما يخص الحالة السياسية في الجزائر، إذ كنا معه على طرفي نقيض لما ندعو إليه. وكنت ألتقي أيضا حسين آيت أحمد الذي طلب مني أن أدرس بجد، وأمثّل حزب انتصار الحريات الديمقراطيات في القاهرة في 1947.
وفي مارس 1956 شاركت في مؤتمر اتحاد الطلبة الجزائريين في باريس وتعرفت على محمد الصديق بن يحيى ورضا مالك، وكلفت بتقديم تقرير عن الثقافة الوطنية مع رضا مالك. وفي مؤتمر ستراسبورغ شارك فيه أحمد طالب الإبراهيمي وبلعيد عبد السلام ومحمد الصديق بن يحيى وغيرُهم. كما شاركنا في إضراب الطلبة في ماي 1956.

بعد التخرج من الجامعة اشتغلت في العمل الطبي الذي لم تنقطع عنه لفترة طويلة سواء في مستشفيات فرنسا أو الجزائر. هلا حدثتنا عن هذه التجربة الثرية؟
في هذه الفترة جاءت الشرطة الفرنسية وطلبت مني أن أكون مديرا لمستشفى بالجزائر فرفضت وبررت أنني مترشح لشهادة رئيس مصلحة في ستراسبورغ. وفي ربيع 1961 طلبت مني جبهة التحرير الوطني أن التحق بألمانيا ومنها سافرت إلى إيطاليا ومنها إلى تونس… وفي ماي 1962 طُلب مني الذهاب إلى الجزائر قبل الاستفتاء وبالضبط إلى تيزي وزو لأشرف على المستشفى وبقيت فيه 6 سنوات. وحين نُظمت مسابقة التبريز التحقت بالعاصمة في أوت 1968، وعُيِّنت أستاذا مساعدا في الجامعة في جانفي 1964 ولكنني لم أستطع الالتحاق بالمنصب بسبب كثرة الأعمال في مستشفى تيزي وزو. ولم أحصل على التبريز إلا في سنة 1969. وفي السنة نفسها عُيِّنت رئيسا لبعثة طبية جزائرية لمساعدة النيجر بسبب الحرب الأهلية. ثم انتُخبت أمينا عاما لإتحاد الأطباء الجزائريين في سنة 1974. وساهمت في سنة 1984 في إعداد المعجم الطبي الموحد.

هذا المعجم الطبي الموحد كان مشروعا كبيرا لإعداده باللغات الثلاث، أي بالعربية والإنجليزية والفرنسية، فكيف بدأ هذا المشروع الذي أسهمت فيه؟
في سنة 1971 زرت دمشق لأول مرة كأمين عام لاتحاد الأطباء الجزائريين. واستطعت أن اتصل بعدد من الأساتذة السوريين، وسمعت أن هناك لجنة مهتمة بإعداد المعجم الطبي الموحد تنعقد كل مرة تزامنا مع انعقاد المؤتمر. وطلبت أن أحضر بعض جلساته تبرُّكا ليس إلا، وفي اللجنة تعرفت على حسين سبح رحمه الله وهيثم الخياط حفظه الله، وعلى عدة أساتذة من العراق ومصر ولبنان.. ثم عُقد المؤتمر في سنة 1974 في الجزائر وكنت يومها رئيسا للمؤتمر، وتقرر فيه إنشاء لجنة لإعداد معجم طبي ثلاثي اللغات، وعُيِّنت عضوا في هذه اللجنة فشرعنا في العمل بداية سنة 1974، وكنا نجتمع أربع مرات في السنة لمدة أسبوع في عاصمة من العواصم العربية. وكان آخر اجتماع انعقد في الجزائر سنة 1981، وقد صدرت الطبعة الأولى للمعجم الطبي الثلاثي في سنة 1983 في سويسرا. ثم عُيِّنت لجنة قارة من موظفين من الأساتذة في مصر لإعداد الطبعة الثانية.

لقد اهتممت كثيرا بترجمة معاني القرآن الكريم، رغم تخصصك الطبي، فما سبب ذلك؟

كان أول اتصالي بمعاني القرآن عن طريق ترجمة “كازيمرسكي” سنة 1945، وقراءة كتاب “الظاهرة القرآنية” بالفرنسية لمالك بن نبي في عام 1947. كانت هذه القراءات بالنسبة لي دعوةً للاهتمام بالقرآن قراءة وفهما. وفي 1988 طلب مني الأستاذ عبد الوهاب حمودة رحمه الله ومن الدكتور أحمد عروة رأيَنا في ترجمة جاك بيرك لمعاني القرآن الكريم لطبعها في الجزائر وتكون تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية، وكان رأيُنا أن لا تقبل الوزارة إشرافها على هذه الطبعة لأسباب ذكرناها يومها.
وفي سنة 2000م طلبت مني الأستاذة دباش مديرة قناة كنال ألجيري “قناة الجزائر” أن أقدّم حصة لمدة ساعة، فطلبتُ من الدكتور عمار طالبي والدكتور محفوظ سماتي والأستاذ عبد الوهاب حمودة مشاركتي في هذه الحصة؛ فكنّا نجتمع ثلاث مرات في الأسبوع في بيتي للإعداد، ثم في المرة الرابعة نجتمع في مقرّ التلفزيون الجزائري لنسجل الحصة، وذلك لمدة سنتين، وبدأنا بعلوم القرآن وتاريخ القرآن والسيرة النبوية، ثم شرعنا في ترجمة معاني القرآن فوصلنا بعد خمس سنوات إلى سورة النور.

في حكومة السيد مولود حمروش تم تعيينك وزيرا للشؤون الدينية، فما هي الإضافة التي أضافتها إليك هذه التجربة الوزارية، وما هي أهم إنجازاتك في هذه المرحلة؟

علاقتي بوزارة الشؤون الدينية قديمة. ساهمتُ في عدة ملتقيات للفكر الإسلامي بطلب من الوزير آنذاك مولود قاسم نايت بلقاسم، إعدادا وتسييرا، ثم مع الوزراء الذين جاءوا من بعده الشيخ عبد الرحمان شيبان، والأستاذ بوعلام باقي. وحين طلب مني رئيسُ الحكومة الأستاذ مولود حمروش أن أكون وزيرا للشؤون الدينية اعتذرت له، فأصرّ على وجودي في الوزارة، فقلت: إن كان ذلك، فبشرط أن أبقى في عملي رئيسا لمصلحة طب العيون في مستشفى مصطفى باشا في الصباح، وفي المساء أكون في الوزارة، فقبل مشكورا هذا الشرط، فكانت هذه الفترة إضافة لي، فتعرفت فيها على علماء كبار من المشرق والمغرب.. وسعيتُ لتحقيق مشروع “مؤسسة المسجد” -وهي للأمانة فكرة الأستاذ مولود حمروش- بعد الاطلاع على تجارب مماثلة في بعض البلدان الإسلامية، ورأينا أن نؤسس المجلس العلمي، ومجلس سُبل الخيرات، ومجلس “اقرأ” لتعليم الأطفال ومحو الأمية، ومجلس البناء والتجهيز، هذه المجالس ترافق المسجد.. وقمنا بإيجاد تصنيف جديد للأئمة.. وإعداد قانون الأوقاف وقد صودق عليه في عام 1991… ولله الحمد ما تزال بعض الآثار الطيبة لهذه المرحلة إلى يومنا هذا.

المصدر: مجلة التبيان، العدد 4، نوفمبر 2017، ص 32-35.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!