قالت إنها حية ترزق .. الفنانة "شريفة قبايلية" تكشف للشروق
تخلى عني الجميع فاشتغلت “فام دوميناج” في ثكنة عسكرية
عندما طرقنا باب منزلها الواقع في أحد الأحياء المتوارية ببئر الخادم، كان علينا ان ننتظر بعض الوقت ليفتح لنا الباب، أحسسنا بعدها بخطوات وئيدة ومتثاقلة تقترب شيئا فشيئا منا، لم نكن نتصور أبدا أن تكون سيدة الأغنية القبائلية “اللا شريفة” هي من يستقبلنا.
-
-
-
-
الحقيقة أنها صعقت عندما علمت أننا صحفيتان، وقالت بنبرة غضب لم تدارها طيبة قلبها: “الصحافة؟ لا أرغب في مقابلتكم، أنتم تريدون موتي، ولذلك أشعتم وفاتي كذبا، ماشي حق عليكم”.. لكننا هدأنا من روعها وشرحنا لها أن جريدة الشروق رفضت نشر خبر وفاتها دون التأكد منه، ففتحت لنا قلبها وبيتها، وكانت لنا معها هذه الجلسة التي كشفت لنا عن حقائق أخجلتنا وأبكتنا، عن فنانة كبيرة منحت الجزائر الفن الأصيل ولم تجن سوى المعاناة والتهميش.
-
-
-
-
(تتنهد بعمق ثم تسترسل في الكلام) لا اله إلا الله محمد رسول الله.. سأبدأ بمقطع من أغنية الراحل دحمان الحراشي الذي قال “احنا مازلنا حيين وانتوما قلتو ماتو” .. أعلم أن الموت حق على الجميع، لكن أن يسمع الواحد منا خبر وفاته وهو حي يرزق، ليس بالأمر الهين، لا أعلم كيف يقوى بعض البشر على الكذب بهذه الطريقة. لا أنكر أني لازلت مستاءة من هذه الإشاعة المهولة، لكني مع ذلك أخشى أن يتمادى الكذب إلى أمور أخرى تخصني وتمس بشخصي، حسبي الله ونعم الوكيل من هذه الإشاعة التي رفعت من ضغطي وأنا في هذا العمر المتقدم، وهولت كثيرين ممن أمطروني بوابل من الاتصالات، حتى خارت قواي من الرد على الهاتف. لا اله إلا الله .. تعبت.
-
-
أعلم أني محبوبة لدى الجزائريين، لأن عهدي مع الغناء القبائلي النظيف ليس وليد اليوم أو الأمس القريب، أنا في هذا المجال الذي تحديت به مجتمعي القبائلي المحافظ منذ 63 سنة، أي منذ كنت بنتا يافعة في 16 من عمري، والحقيقة أني بدأت أدندن تحت شجر الزيتون، برغبة غريبة كانت تسكنني، والله لا علم مصدرها إلى حد الساعة.. كافحت كثيرا لأسمع صوتي كل العالم، وتحديت وضحيت وبكيت وتشردت، وهاهم اليوم يكافئونني وأنا في مثل هذا السن المتقدم من الشيخوخة، بقتلي وأنا حية أرزق.
-
-
لم يكن الأمر سهلا أبدا، مع تعنت خالي الذي مارس علي كل الضغوط ليمنعني من الغناء، وقد كلفني الخيار الصعب نفي هذا الأخير لي من مسقط رأسي ببرج بوعريرج، حيث منعت من أن أطأ المكان الذي ولدت فيه أحلامي وآمالي واستنشقت فيه عبق الأصالة والحرمة، على رغم معاناة الفقر التي تكبدتها في تلك الفترة من تاريخ الجزائر، لكن رغبتي في الغناء تلك الموهبة الربانية لم تستدع مني أن أكون متعلمة في المدارس، التي لم أطأها يوما في حياتي، كانت أكبر من كل شيء، ولم أكن يوما لأصدق أن شريفة أو وردية -وهو اسمي الحقيقي- سيسمع العالم صوتها الذي كان يزعج جدتي التي طالما نهرتني وأنا أغني وعمري تسع سنوات، وهي تقول “ستجلبين لنا العار“.. هكذا كانت تردد على مسامعي، بينما تكون منشغلة بجمع القمح وهي تصيح “توقفي عن الغناء“..
-
-
-
نعم.. (تصمت برهة ثم تسترسل في الحديث بحزن عميق) حرمت من أن أكون أمّا بسبب الفن، لم يكن شيء يهمني في صباي سوى الغناء، كان علي أن اختار بين الزواج الذي كان عارا على كل فنانة، وهو ما جعلني لا أستمر فيه إلا 15 يوما وإنجاب أطفال، وبين الرغبة في الغناء التي لا أعرف لحد الساعة القوة الخفية التي تدفعني إلى السعي وراءها وأنا مغمضة العينين، فهل تعلمين أني لحد الساعة لا أعرف كيف كنت أنام وأستيقظ وفي ذاكرتي كلمات لأغان لا أعلم من أين استلهمتها، وكيف ترسخت في مخيلتي وذاكرتي.. فكنت أغني من “كلماتي الربانية”، وعندما يسألني بعض الناس عن سر تلك الكلمات، لا أجد إجابة واضحة.
-
-
إيه.. الفن لم يكن يؤمن لي إلا لقمة العيش، وكثيرا ما كنت أشارك في حفلات ومناسبات هنا في الجزائر، ولم أكن أتقاضى شيئا عن مجهودي “ربي وكيلهم”.. هناك من سلبني حقي لأني أمية لا أقرأ، وليس لي سند يدفع عني الظلم، ولكني لن أنسى أبدا المرحلة التي بعت فيها أثاثي لتسديد “الضرائب” التي فرضتها علي الإذاعة آنذاك، بزعم أني فنانة أحقق الأرباح وعليّ واجب دفع أموال للإذاعة، لم أكن أفهم آنذاك استهدافهم لي، والحرب التي شنت ضدي لأخذ المال مني، رغم أني لم أكن ميسورة الحال.. لقد ظلموني كثيرا، ولم ينصفني إلا الجيش. وبقوتهم تراجع من أرادوا توريطي عن ذلك، لأجد نفسي مرغمة على الاشتغال كعاملة نظافة “فام دوميناج” (تبكي).. حدث هذا في إحدى الثكنات العسكرية، لأحصل على المال.. وانقطعت عن الغناء مدة 07 سنوات فترة اشتغالي في الثكنة.
-
-
نعم.. هذا بيت ابني اليتيم الذي تبنيته، هو يأويني لأني لا بيت لي، ولم أملك يوما بيتا في بلدي، قضيت حياتي منتقلة من بيت إلى آخر.. لكن والي برج بوعريريج أكرمه الله منحني مؤخرا بيتا في مسقط رأسي، سأنتقل للعيش فيه قريبا إن شاء الله، كما كرمني برحلة عمرة.
-
-
في زماني، كان الغناء القبائلي ذا قيمة، أما اليوم كما يقول المثل الجزائري “كوّر واعطي لعور” ليس فيه لا طعم ولا نكهة، أشعر بالاستياء من هؤلاء الذين يعيدون الأغاني دون استشارة صاحبتها “صابوها واجدة.. ربي وكيلهم”، في زماننا لم تكن الوسائل متوفرة مثلما هي اليوم .. لكن أبدا لا بديل عن الصوت الجميل والحنجرة المدوية التي تطلق الكنوز والدرر “خلينا من الشطيح والرديح..”.
-
-
حسيبة عمروش حاولت أن تتبع خطاي في إعادة أغنياتي، لكنها مع الأسف استغلتها جميعا لمصالحها الشخصية، وحوّلتها إلى مصدر ثروة، في الوقت الذي لم تلتفت فيه إلى صاحبة الفضل في ذلك، فهي لم تكن لتشتهر وتجني الأموال الطائلة لولا شريفة، التي كانت سببا في غناها، واشترت بفضلها السيارة التي حلمت بها.