تدوير النظام بإعادة تدوير الدستور
مع نهاية سنة مضطربة ختمت بتوحيد مركز القرار، وإعادة الإمساك بالدولة العميقة، تستقبل الجزائر السنة الجديدة بموعد لم يعد من الممكن تأجيله، بعرض التعديل الدستوري على البرلمان خلال السداسي الأول على أكثر تقدير، ومن غير ممانعة تذكر، لا من جهة غرفتي البرلمان الممسوكتين، ولا من جهة المعارضة التي تكون في الصيف قد ضيعت اللبن.
ومع أن باب المشاركة في اثراء نسخة التعديل قد أغلق بدهاء ومكر من السلطة وبممانعة غشيمة من المعارضة، فإن اختيار الرئاسة تمرير التعديل عبر البرلمان يكون قد أغلق الباب الثاني للتأثير، بحرمان الناخبين من قول كلمة الفصل عبر الاستفتاء، لتصبح عملية التعديل محض اجراء روتيني فاقد للإثارة والتشويق، ولتكون النسخة المقترحة هي النص النهائي.
الآن فقط ندرك سر التأخير، وتراخي الرئيس في منح البلد فرصة مراجعة قانونه الأساسي كان قد وعد به عشية العهدة الأولى، وأعاد جدولة موعده عهدة بعد عهدة، ربما لأن القنبرة لا تبيض ولا تصفر حتى يخلو لها الجو، وقد خلا بالكامل بعد ترحيل من كان يشارك الرئيس في ملكية الدولة العميقة، ويمسك بخيوط تحريك عرائس “الغراغوز” في أغلب ساحات الحكم.
وحده الرئيس بات يملك قرار إعادة صياغة العقد الاجتماعي، ليتحمل وحده تبعات مخلفاته في القادم من الأعوام، وقد فوت مرة أخرى على جيل كامل فرصة المشاركة في بنائه ولو بالتزكية عن بعد عبر الإستفتاء، لنكون مرة أخرى أمام ما يشبه “عقد الإذعان” الذي هو في جميع الشرائع باطل صرف، ناسخ لمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” ولسنا حتما شركاء في العقد الذي سوف يملى إملاء عبر برلمان غير ممثل للطرف المالك الأصلي للسيادة.
وحده هذا الإقصاء المبكر للمواطنين كما للمتشابه من مؤسسات الدولة التمثيلية، سوف ينتج حالة مزمنة من الشك والريبة تجاه النسخة البديلة، حتى لو كتب لها أن توفق في اصلاح مواطن العلل في دستور 89، ومنها رفع حالة الحصار المفروضة على المسارات الانتخابية، وتصحيح القسمة الضيزى لريع السلطة بين مؤسسات الحكم الثلاث لصالح مؤسسة الرئاسة المهيمنة على الحياة السياسية للبلاد قبل وبعد تبني التعددية، ولا يتوقع من رئيس تعامل مع البرلمان بكثير من الاحتقار والتجاهل أن يعيد له الاعتبار في النسخة البديلة.
أغلب الظن أن النسخة الجديدة سوف ترسخ نظاما رئاسيا حتى مع الإبقاء على صيغة النظام شبه الرئاسي، بتقييد صلاحيات البرلمان، والإبقاء على صيغ حكومة يرأسها وزير أول، تكون محض واجهة لجهاز تنفيذي تدار ملفاته داخل مؤسسة الرئاسة، ومؤسسة قضائية محكومة بعلاقة عضوية مركبة مع وزارة العدل، لا تختلف عن بقية مؤسسات الجهاز البيروقراطي التنفيذي.
إعادة توحيد مركز القرار الذي سبق التعديل وأفرج عنه، يكون قد نقل النظام من حرج البحث عن توافق على الخليفة، إلى سعة البحث عن توافق يؤمن موقع الرئاسة كمركز متفرد لصناعة القرار، متحكم في الدولة العميقة، يسمح للنظام بفتح آمن لمسار التداول على المؤسسات التمثيلية الوطنية والمحلية دون قلق على ديمومة استنساخ النظام لنفسه من تدوير منتظم لما تيسر ليه من “الغثاء” المستقطب من فلول الموالاة وشراذم المعارضة، وهذا ما سيحرص التعديل الدستوري على توثيقه.