-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الإعلامي ياسين نذير عبوبو يصدر كتابه عن الثورة في الأوراس

“تدوين الشهادات لحماية الذاكرة الوطنية من الضياع”

الطاهر حليسي
  • 130
  • 0
“تدوين الشهادات لحماية الذاكرة الوطنية من الضياع”

في مؤلف توثيقي يستند إلى جهد ميداني واستقصائي طويل، أصدر الإعلامي، ياسين نذير عبوبو، كتابا جامعا عن دار “خيال”، يعد ثمرة رحلة امتدت نحو 17 سنة، من 2009 إلى غاية 2026. ولم يكن هذا العمل مجرد تجميع لمواد صحفية نشرت في مناسبات تاريخية، بل جاء بمثابة محاولة لإنقاذ الذاكرة الشفوية وصون شهادات آخر الشهود والفاعلين في معقل الثورة التحريرية بالأوراس، بولاية باتنة وما جاورها.

من الخبر إلى التوثيق

ينطلق الكاتب ياسين عبوبو في مقدمة كتابه المعنون “حدثوني عن الثورة بالأوراس” الذي يقع في 257 صفحة، من رؤية تتجاوز الممارسة الصحفية التقليدية، إذ لم يكتف بنقل الأنشطة ورصد الأحداث اليومية، بل جعل من الصحافة وسيلة للإصغاء إلى الإنسان وتوثيق الذاكرة الوطنية. وفي تصريح أدلى به لـ”الشروق “، أكد عبوبو أن “التواجد ميدانيا بين جبال الأوراس ومداشرها والتنقل بين قراها الممتدة من بسكرة وبريكة إلى عين التوتة وغسيرة، يفرض عليك مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجعل الصحافة أمانة لحفظ الذاكرة وصون الشهادة وإيصال صوت من عاشوا الأحداث إلى أجيال لم تشهدها”. وأضاف أنه لم يعدّ التحقيقات والحوارات التي أجراها منذ التحاقه بجريدة «النصر» سنة 2009 مجرد مواد تنتهي بانتهاء صدور العدد، بل رآها محطات في رحلة قادته إلى التنقيب عن الوجوه المنسية والأماكن التي شهدت معارك حاسمة، ومحاولة إنقاذ الذاكرة الشفوية قبل أن تغيب أصوات أصحابها ويرحلوا تباعا.

معالم ومقاومات شعبية

لم يقتصر العمل التوثيقي للزميل ياسين عبوبو على سنوات الثورة التحريرية (1954-1962)، بل غاص في جذور المقاومة الشعبية بالأوراس، متتبعا أثر المعالم والانتفاضات التي مهدت لاندلاع الثورة، ومنها منطقة فالماش سيدي مصمودي، معقل الثورة الشعبية التي قادها الشيخ الصادق بلحاج، ومقاومة 1916 المعروفة بثورة أولاد سلطان، بعين التوتة وما جاورها، وجبل مستاوة بوادي الماء، أرض الثائر عمر أوموسى عقيني. كما توقف عند منعة ولجوء أحمد باي، موثقا زاوية بن عباس، حيث يوجد ضريحا ولديه عقب سقوط قسنطينة، فضلا عن عدد من المعالم الثورية، من بينها ديار بن شايبة بإشمول، وديار بولقواس التي شهدت توزيع السلاح ليلة أول نوفمبر، وديار عبد الله بن مسعودة بقرية لقرين التي احتضنت الاجتماع التحضيري للثورة، ومستشفى النبكة الأمني المعقد تحت الأرض ببلدية بيطام، ومحتشد التعذيب “فيرمة ليكا”، فضلا عن محرقة غار أوشطوح بتاكسلانت.

شهادات نادرة

يتميز المؤلف بإيراد شهادات حية ونادرة عن أبرز رموز الثورة وقادتها، وفي مقدمتهم قائد الأوراس مصطفى بن بولعيد، وعلي النمر، والحاج لخضر، وعزيل عبد القادر، وعبد العالي بن بعطوش. وحول التفاصيل والأسرار التي يتضمنها الكتاب، أوضح عبوبو أنه حرص على عدم تقديم صورة نمطية أو خيالية للثورة، بل نقل جانبها الإنساني المعقد، قائلا إن “الوجه الآخر للثورة عرف أبطالا عاشوا في الظل وحموا المجاهدين تحت ستار “العمالة” ظاهريا، بينما كانوا في العمق خط الدفاع الأول عن الثوار، كما كشفت الشهادات عن آلام الوشاية والخيانة البشعة التي تسببت في سقطات مؤلمة كشهداء جبل بواري.

وعن المحرقة الكيميائية بغار أوشطوح، أشار إلى أن «إعادة فتح ملف غار أوشطوح بتاكسلانت وإيراد شهادة الباحث والمؤرخ الفرنسي كريستوف لافاي إلى جانب شهادات الناجين، يعد إدانة تاريخية وقانونية لفرنسا الاستعمارية باستعمال الأسلحة الكيميائية المحرمة ضد الجزائريين». ومن أبرز الشهادات التي يتضمنها المؤلف شهادة المجاهد محمد بيوش، رفيق عاجل عجول، حول علاقة الأخير بالقائد الرمز مصطفى بن بولعيد، وشهادة المجاهد مسعود بن شورى، أحد مرافقي بن بولعيد والشاهد على لحظاته الأخيرة عند استشهاده بانفجار لغم جهاز الراديو، إلى جانب شهادة المجاهد محمد بزيان حول حادثة الفرار التاريخية رفقة بن بولعيد من سجن الكدية بقسنطينة، فضلا عن شهادة الفدائية أم هاني بوستة، التي توصف بـ”الشهيدة الحية”، بعد ما تعرضت للذبح على يد غلاة الاستعمار ونجت من الموت.

الوعاء الهوياتي

أفرد الكاتب ياسين عبوبو مساحة مهمة للبعد الثقافي والهوياتي، مؤكدا أن الحفاظ على التاريخ يرتبط أيضا بالحفاظ على اللسان واللغة اللذين حُفظت بهما الأحداث ونُقلت عبر الأجيال. وقال إن نقل روايات مجاهدات جليلات مثل الراحلتين حدة عبوبو وحدّة عثماني، وبوستة أم هاني، تطلب الإصغاء العميق إلى تعابيرهن الصادرة باللغة الأمازيغية، باللهجة الشاوية، كونهن لا يتقنّ غيرها، ثم ترجمتها بدقة إلى العربية، لصون المعاني التاريخية والإنسانية التي اختزنها اللسان الأمازيغي باعتباره وعاء للذاكرة التحريرية.

كما أبرز المؤلف قصة استثنائية للمجاهدة “الزهرة الألمانية”، صديقة الثورة التحريرية والمكرمة من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، التي عاشت بتكوت منذ الحرب، واكتسبت اللغة الشاوية وتحدثت بها بطلاقة، في تجربة تعكس قدرة المحيط الاجتماعي الأوراسي على احتضان الوافدين والاندماج بهم.

رسالة جيل الاستقلال

يختتم الإعلامي ياسين عبوبو مؤلفه بربط الذاكرة التاريخية بمسؤولية الأجيال اللاحقة، حيث أكد أنه ينتمي إلى جيل لم يعش أهوال الثورة ولم يحمل السلاح، لكنه ولد ليعيش، مع أبناء جيله، في كنف الاستقلال. وقال: “إن علاقتنا بالثورة ليست علاقة شاهد عيان، بل هي علاقة أمانة ووفاء، وقد أردت بهذا المؤلف الصحفي التوثيقي أن أقدم رسالة من جيل الاستقلال بعين من لم يعش الأحداث ولكن بقلب يدرك التضحيات الجسام التي قُدمت ليحيا هذا الوطن حرا مستقلا”.

ويأتي هذا الكتاب المشارك في الصالون الدولي للكتاب “سيلا 2026″، والذي قدم له الكاتب بمقولة ديدوش مراد الخالدة، “إذا ما استشهدنا فحافظوا على ذاكرتنا”، ليضيف مادة جديدة إلى رصيد التوثيق الصحفي للذاكرة الوطنية، من خلال جمع شهادات ميدانية وروايات شفوية ظلت متفرقة في صفحات الجرائد، وإعادة وضعها في سياق تاريخي يتيح للأجيال الجديدة التعرف على وجوه وأحداث ومحطات من تاريخ الثورة التحريرية في الأوراس، قبل أن تطويها ذاكرة الزمن ورحيل الشهود، ولتكون مرجعا محفوظا للقراء والباحثين والإعلاميين، انتقل من شفاه شهود الثورة، إلى صفحات الجريدة، ليستقر في مادة حية عبر كتاب يخلد تلك المآثر و يحميها من الاندثار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!