ترامب رئيسا.. أي مستقبل؟
بعد ان حبس العالم أنفاسه على وقع الانتخابات الأمريكية ولم يبِت أي من الزعماء والحكام والمتابعين في الأجهزة الأمنية العالمية وأصحاب المشاريع ليلتهم قبل ان يتلقطوا الإشارات الأولى عن نتائج الانتخابات الأمريكية.. رفع الأمريكان الى سدة الحكم دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.. ولعله لم يحظ رئيسٌ بمثل هذا الدجل كما حظي به ترامب الذي لم يكترث بأن يثير في حملته خصومات مع مكونات مهمة في المجتمع الأمريكي.
ترامب هو الرئيس الأقوى الذي يدخل البيت الأبيض ليس فقط لأنه من أصحاب الثروة الفائقة وإن كان هذا مهما في صياغة واقع ما بعد الانتخابات على الصعيد الاجتماعي، ولكن لأنه الأكثر وضوحا وصراحة في قضايا تتم تحت السطح ويتصدى من خلالها لسياسات الحكومات الأمريكية السابقة ويعلن حربا على طرق ومنهجية التعامل مع قضايا الشأن الدولي ويربطها مع أزمات في الشأن الداخلي..
وهنا لابد من الإجابة على تساؤلات وأسئلة يرددها الكثيرون: هل هناك اختلاف بين رئيس ورئيس؟ هل هناك اختلاف بين جمهوري وديمقراطي؟ وهل الرئيس هو من يحكم؟ أم أن هناك لوبيات قوة وضغط توجِّه المشهد كله؟ وفي هذا السياق تتولد أسئلة جانبية، ويبدو أن مبعث كثير من الأسئلة يعود إلى عدم معرفة تركيبة المجتمع الأمريكي ومزاجه ونفسيته.
من التسطيح أن نتصوّر أن الرئيس الأمريكي مجرد موظف كبير يسكن بالبيت الأبيض، فهناك قرارات خطيرة نجم عنها تحولات كبيرة في العالم كان للرئيس فيها الشأن الكبير، فلولا جورج بوش الرئيس لما كانت الحرب على العراق، فلقد اعترض عليه الكونجرس وتصدت له شعوب أوروبا ولكنه بإصراره حوّل الحرب إلى قرار دولي دمر من خلاله المنطقة.. وهكذا يجب الانتباه إلى ان هامش حركة الرئيس تسمح له بإبادة دولة وتكسير مجتمع في بلدان الجنوب وإسقاط رئيس وتقديم آخر وشنق زعيم ورفع شأن صعلوك.. فنحن بالنسبة لصناع القرار في أمريكا والغرب لسنا ذوي قيمة.. وعلى صعيد الاتفاقيات والمعاهدات يبدو ان للرئيس دورا فاعلا.
المهم هنا الإشارة لترامب في توجهاته الداخلية وسياسته الخارجية.. داخليا يبدو ان ترمب تساوق مع روح عنصرية ضد الأقليات وضد الجوار مفسِّرا ذلك بأن هذين البابين هما بابا الفساد والمشكلات التي تنخر المجتمع الأمريكي ولم يتردد في التصريح بذلك كما ذهب الى وضع صياغة للضرائب تعني أصدقاءه من رجال المال وتغطيهم قانونيا في التهرُّب من عدالة الضرائب.. وداخليا يبدو ترامب لكثيرين لاسيما اللاتينيين والأفارقة والعرب والمسلمين رجلا متهورا يحرِّض على العنصرية ويحمل معه تضييقا حقيقيا على معيشتهم، وفي هذا تبدو الخطورة واضحة على تجانس المجتمع الأمريكي ووحدته وسيكون الفرز بين الولايات في ضوء الانتخابات تهديدا محتملا لوحدة النسيج الاجتماعي بل وحدة الولايات المتحدة الأمريكية.
اما ترامب في توجهاته الخارجية وكرجل مال قوي وضع الحسبة على سكتها بعيدا عن مغامرات الخسارة والأعطيات المجانية وبحثا عن الربح الحقيقي بلا لف ولا دوران فكان عليه ان يحسن التعامل مع الروس القوة الدولية الثانية والتي يمكن ان تجره الى حروب استنزاف تكبد الخزينة الأمريكية خسائر فادحة، أما الصين التي تحاول بسياستها الناعمة تطويق الاقتصاد الأمريكي فلن يتهاون معها وسيضع أمام تدفُّقها حواجز قاتلة، وأما السعودية التي تدفع أمريكا بخيرة جنودها للسهر على حمايتها في البر والبحر والجو فليس منطقيا ان تظل تجني ريع النفط وحدها فلابد من تكليفها بدفع مستحقات الدفاع والحماية، وأما إيران فان الاتفاق معها لم يكن ضروريا تماما او على الأقل ان يتم ربطه بشيء واضح من الاستثمار والفائدة المالية المجزية والاشتراطات السياسية الواضحة في حجم دورها الإقليمي، وأما سورية فانه من غير المنطقي ان يتصدى للرئيس بشار الأسد الذي يحارب الإرهاب، ومن هنا يشير الى سياسة الحكومة الأمريكية السابقة التي صنعت الإرهاب في المنطقة.. اما أوربا التي تشعر بخيبة امل كبيرة فانه يدير ظهره لها ويريد إعادة صياغة علاقاته الدولية الأمر الذي فهمته بريطانيا على انه يمثل لها حدادا وطنيا.. أما فلسطين فهو لا يجد نفسه مجبرا على تقديم تنازلات للفلسطينيين او التخلي عن مشاريع الاستيطان وتغوّل اليمين الصهيوني…
دونالد ترامب رئيسا.. هذا هو الواقع الذي ما كان يتخيَّله كثيرون.. انها دعوة لفهم ما جرى، كما انها دعوة لفهم ما ينبغي فعله.. تولانا الله برحمته.