ترامب سيغيّر السياسية الأمريكية بشكل لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية
في هذا الحوار الذي أدلى به لـ”الشروق” يؤكد سعد جبار، المستشار بالمعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، أن الولايات المتحدة الأمريكية مقبلة، في عهد رئيسها الجديد، دونالد ترامب، على تغييرات جذرية في سياستها الداخلية بشكل لم تشهده منذ الحرب العالمية الأولى، في حين أنها ستتبع سياسة خارجية حذرة إزاء العديد من الملفات العالمية، ويقول إن ترامب سيتحلى بالواقعية بعد زوال نشوة الفوز بالانتخابات.
هل تعتقد بتغير السياسات التي سيطبقها ترامب مقارنة بالخطابات التي قدمها في حملته الانتخابية؟
ترامب هو الرئيس الوحيد في التاريخ الأمريكي الذي كان حزبه ضده، ترشح رغم أنف الجمهوريين، بمعنى انه تجاوز كل السياسات العرفية المعهودة في الحملات الانتخابية، خطابا وممارسة، أولا ترشح كجموهري دون أن يعتمده الحزب الجمهوري، بل كان ضده، خطابه السياسي في الحملة تميز بالشعبوية وأسمعَ الناخبين ما أرادوا سماعه، خاصة في المناطق الداخلية، في أمريكا ما يقع على الشاطئ فهو متحضِّر أما ما يقع في الداخل فهو متخلف، هو استعمل لهجة غير معهودة، بالنسبة للسياسيين الأمريكان، لقد ترشح بطريقة غير عادية وفاز بطريقة غير عادية، لكن من الناحية الواقعية، سيغيّر السياسة الأمريكية تغيرا لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية، فهو سيعيد النظر في الحلف الأطلسي ومدى الدعم المالي الأمريكي للناتو، سيتم تقاسم النفقات مع الغير، اليابان وكوريا لا تدفعان اشتراكات للحلف الأطلسي، قضية المساعدات الخارجية وهي بالملايير، سيُعاد النظر فيها، ثم التجارة الحرة التي يتحدث فيها، وفتح الحدود أمام السلع والتحرك وتنقل الأفراد ورؤوس الأموال سيعاد النظر فيها، وسيبحث فرض ضرائب على السلع الصينية.
ترامب تحدى نظام التجارة الدولية، بل حتى منظمة التجارة العالمية، وهدد بالانسحاب من المنظمة، التي كانت أمريكا وراءها، هو سيركِّز على الداخل وبالبنية التحتية، لقد تحدَّث عن مطار قطر ثلاث مرات في حملته الانتخابية، حيث قال إن دول العالم الثالث صارت تحوي مطارات أفضل من مطارات أمريكا، له نظرة واقعية لبلده، مفادها أن أمريكا تعيش الوهن واقتصادها أصبح منهارا، ترامب يودُّ بناء الاقتصاد وحماية اليد العاملة، قد يفرض ضرائب على السلع الصينية المستوردة تقدر بـ45 بالمئة، وإعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة الخاصة بأمريكا الشمالية.
أنت تتحدث بصيغة التشخيص عن ترامب، سيفعل، سيقوم، سيفرض، سيغير… هل سيكون صاحب الكلمة الوحيد في رسم السياسة الأمريكية بعيدا عن أي تأثير؟
هو الرئيس الوحيد في التاريخ الحديث غير الواقع تحت أي مجموعة ضاغطة، ترامب ليس مدينا لأي جماعة ضاغطة، ما يجعله أكثر استقلالية، طبعا بالنسبة للتشريعات والقوانين سيكون للكونغرس دور، ولا يسمح له بالتهوُّر، وهو لن يكون متهوِّرا، هذا الرجل سيكون براغماتيا عمليا، وسيركز على تخفيض نفقات أمريكا من المصاريف في الخارج، سيعتمد على المشاركة في تقاسم النفقات، لكن تبقى أمريكا هي المساهِمة بحصة الأسد.
فيما يخص أزمات الشرق الأوسط، هل من الوارد تخلي الإدارة الأمريكية عن الاتفاق النووي مع إيران؟
الجمهوريون بصفة عامة لم يكونوا راضين عن الاتفاق، وهو نفسه في خطابه قال إنه لا يعترف بهذا الاتفاق، لكن العلاقة مع إيران تبقى دائما حساسة لعدة اعتبارات، السعودية لم تكن ترضى بتمكين إيران من السلاح النووي، ترامب سيكون متشددا تجاه إيران، لكن اعتقد انه في غضون 6 أشهر الأولى، سنشاهد تراجعاتٍ كثيرة في خطاباته السابقة، كما هو الحال مع المسلمين، فقد تم حذف كل تصريحاته المسيئة في حق المسلمين من موقع الأخبار التابعة له.
بين الواقع والتنفيذ هنالك اختلاف، سيلتزم ببعض ما أعلنه، مثل البناء الداخلي، خاصة في التجارة والصناعة، وإعطاء الأمل للفئات العاملة، وسيقوم بتصرّفات استثنائية على مستوى السياسة الخارجية، كما هو الحال مع روسيا، لقد بعث برسائل تطمينية لموسكو، خطابه لم يكن صدامياً مع القوى العظمى، لكنه لن يغيّر في بعض الملفات.
هنالك توترٌ ظاهر مع السعودية بسبب قانون “جاستا” الذي يتيح مقاضاة الحكومة السعودية بتهمة الإرهاب، هل بالإمكان أن يجبر ترامب السعودية على تقديم تعويضات؟
القانون تمّ إصدارُه في مرحلة انتخابية، ولا أحد من المرشحين كان يمكن له أن يقف ضد القانون، لان ذلك يعني أنه غير متعاطف مع ضحايا 11 سبتمبر 2001، اليوم انتهت مرحلة الانتخابات، وأتصوّر انه سيتم إعادة النظر فيه، ليس فقط لأن الصناديق السيادية الخارجية هي المهددة، بل إن الدول الخليجية مرتبطة بالدولار، وأي تحويلات تمرّ على مركز التسهيلات المالية الدولية بنيويورك يمكن توقيفها.
القانون ليس موجها ضد الصناديق السيادية فقط، بل موجهة ضد أي دولة من الدول المتهمة بالإرهاب، الإشكال في القانون الذي يعتبر تعسفيا بكل المعايير، أنه يخرق القانون الدولي، وتحديدا اتفاقية فيينا فيما يخص سيادة وحصانة الدول، ويعطي لمجرد أي شك يكون في صالح الدولة، خاصة وأن هنالك تقليدا لدى الأمريكيين يخص رفع الدعاوى القضائية بصفة جماعية، الأمر الذي تسبَّب في إفلاس عدة شركات كبرى داخل أمريكا، إصدار هذا القانون سيعطي حرية مطلقة لمجموعات المحامين لرفع الدعاوى مهما كانت الأدلة ضعيفة ضد أيّ دولة، وهذا لا يخدم المصلحة الأمريكية، حيث يمكن لدول الخليج أن تلجأ إلى ربط عملتها باليورو أو اليوان الصين، لتجنُّب المرور على مركز تسوية المعاملات الدولية في نيويورك، وكذلك نقل استثماراتهم إلى دول أخرى، لكن لا أتصوَّر أن الرئيس من سيتحكم في هذا الملف بل الكونغرس، الرئيس كان دائما ضد هذا القانون، ولما تنتهي فرحة الانتخابات تبدأ الواقعية، وأتوقع تقليص العمل بهذا القانون.
ترامب جهر بعدائه للمسلمين، هل ينطبق هذه الأمر على ما يُسمَّى بالإسلام السياسي في الدول العربية؟
المشكلة في السياسة الخارجية الأمريكية، فمن يتحكم في الملف المصري هو البنتاغون بسبب العلاقة مع إسرائيل، الغالب أن الخارجية هي من تدير الملفات، وفي حالات معينة كمصر، وإلى حد ما العراق.. وزارة الدفاع هي من تتولى التسيير، أنا لا أتصور تراجع السياسة الأمريكية باعتراف الشارع، كما أن التيارات الإسلامية لها أتباع في الشارع، ولا تستطيع أمريكا أن تتجاهل هذا الواقع.