ترامب يحلب الخليج
في عزّ الأزمة الناشبة بين قطر و4 دول خليجية وعربية، أعلنت وزارة الدفاع القطرية أنها عقدت مع أمريكا صفقة لاقتناء مقاتلاتٍ من طراز “أف 15” بقيمة 12 مليار دولار، كمرحلة أولى ضمن صفقةٍ تصل قيمتها الإجمالية لاحقاً إلى 21.1 مليار دولار.
اللافت في بيان الدفاع القطرية قولها إن “الاتفاقية ستساهم في توفير 60 ألف فرصة عمل في 42 ولاية أمريكية”، ما يعني بوضوح أن الهدف من حرص قطر على إتمام هذه الصفقة هو كسب رضا ترامب، الرئيس التاجر الحريص على جلب الأموال لبلده بأيِّ طريقة، وهذا لدفعه إلى رفع تهمة “رعاية الإرهاب” عنها، والتدخّل الفاعل لحلّ أزمتها مع شقيقاتها، أو لدفعِه إلى “الحياد” على الأقل بدل أن يكون إلى صفِّها.
إنها الصفقة الثانية التي يعقدها ترامب في ظرف أقل من شهر؛ ففي أواخر ماي الماضي تم التوصُّل إلى صفقة مع السعودية بقيمة 460 مليار دولار، منها 110 مليارات دولار أسلحة، والباقي استثمارات سعودية كبيرة في أمريكا، دفعت ترامب إلى التغريد عليها بذهول قائلا إنها ستوفر “وظائف ووظائف ووظائف!”، واليوم تنضمّ إليها قطر وتوقِّع صفقة سلاح بـ12 مليار دولار، ليتمكن بذلك ترامب من جلب مبالغ ضخمة لبلده في ظرف أسابيع قليلة في انتظار ما يمكن “حلبُه” من باقي دول الخليج في الأيام القادمة كثمنٍ للحماية الأمريكية لها، كما ردّد مراراً خلال حملته الانتخابية.
صفقة الرياض هي ثمرةٌ لتهويل ترامب خطرَ “البعبع الإيراني”، وصفقة الدوحة هي ثمرة الأزمة الخليجية التي حرص الرئيسُ الأمريكي على تصعيدها من خلال الانحياز إلى خصوم قطر ووصْفِ هذه الإمارة الصغيرة بـ”الدولة الراعية للإرهاب”، قصد ابتزازها ودفعها إلى توقيع صفقات أسلحة وربما ضخ المزيد لاحقاً على شكل استثمارات مباشرة في الاقتصاد الأمريكي كما فعلت السعودية.
الملاحظ في صفقـتي الرياض والدوحة أنهما تضمّنتا طائراتٍ من طراز “أف 15” التي خرجت فعليا من الخدمة في الجيش الأمريكي الذي أصبح يعتمد على طائرات فائقة التطوّر، ومنها “أف 35” التي لم تزوّد بها أمريكا أيّ دولة عربية وجعلت ذلك حصرا على الكيان الصهيوني، ما يعني أنها لا تثق في العرب ولو عقدوا معها اتفاقاتٍ بمئات الملايير من الدولارات، ولا ترى فيهم سوى مصدر لتمويل مشاريعها الاقتصادية وإنعاش شركاتها وتوفير آلاف مناصب الشغل لمواطنيها، وعدا ذلك فإن للحليف الصهيوني الأولويةَ القصوى في احتكار أحدث الأسلحة الأمريكية.
بالمقابل، تعاني شعوبٌ إسلامية كثيرة من الفقر والخصاصة والأمراض، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة في الصومال وجيبوتي والنيجر ومالي وبنغلاديش واليمن وغزة بفلسطين… بل لدى فئات من الخليجيين أنفسهم، وقد كان بالإمكان تحسينُ أوضاعها المعيشية وكسبها إلى جانبها لو أستُثمِر جزءٌ من هذه المبالغ “المهولة” في هذه الدول “الشقيقة”، عوض أن تذهب لـ”زيادة الماء إلى البحر” كما يقول المثل وإنعاشِ أكبر اقتصاد عالمي ورفع مستوى رفاهية الأمريكيين بصفقات أسلحةٍ لن تُستعمَل لنصرة الفلسطينيين المستضعَفين ومساعدتهم على تحرير أراضيهم من الاحتلال الصهيوني، بل لتوسيع دائرة الحروب الحالية أو أيِّ حروبٍ بينية مستقبلية لن تجلب لبلداننا إلا الخراب والتفكُّك.
وبعد ذلك، يحدِّثوننا عن “الأخُوَّة” و”التضامن” الإسلامي؟!