تركيا في الدوامة
اهتز أمن تركيا على وقع تفجيرات أودت بحياة عشرات الأبرياء وأصبحت العاصمة التركية في عين العاصفة وبؤرة الدوامة، بالإضافة لما تشهده الحدود التركية من عمليات استهداف لجنودها ومواقعها العسكرية، الأمر الذي يفتح الباب أمام كل الاحتمالات فهل هي سحابة سوداء تلقي بحممها وتمضي أم أنها فصل الدم الذي يجد الأن من يدفع به إلى النهايات.؟
وهنا لا يمكن إعطاء العنف الاجرامي تبريرا مهما بلغت التجاوزات في حق الحريات العامة والصحافة والسياسة التي تنتهجها الحكومة التركية إزاء الخصوم.. فبعد تفجر الأزمات الحادة مع الأكراد واعتقال وتوقيف أعضاء البرلمان الأكراد ومطاردة تركيا للمجموعات المسلحة الكردية الأقليمية جنبا إلى جنب خوض معركة تطهير لجماعة “الخدمة”، حيث وجد عشرات الألاف أنفسهم في الشارع بلا وظيفة ولا معين، ووجد الألاف أنفسهم في السجون بعد عملية الانقلاب الفاشل.. رغم كل هذا فإن العنف لايجد مبررا له فكل هذه الأزمات يمكن التوصل إلى حلها عن طريق الحراك السلمي والعمل على إنعاش العملية الديمقراطية.
لا يمكن إعطاء القتلة حملة السلاح ضد الشعب والدولة في تركيا أي تبرير فلا الشرع ولا السياسة ولا المنطق يبيح لمجموعات الايديولوجية أن تتصرف وكأنها القدر وليس على الدولة إلا الضرب بيد من حديد ضد هؤلاء المخربين المروعين لأمن الناس ومصالحهم، والذين يسيرون بتركيا إلى التفسخ العرقي والطائفي وإضعاف جيشها وإرهاقه لكي تصبح مرتعا لكل الأجانب.
لقد انسحب النظام التركي جزئيا من الحرب على سورية وقد يكون ما جرى في انقرة واسطنبول من تفجيرات عقاب له على خطوته الاستراتيجية تلك.. وقد يكون الذي حصل هو محاولة ردع لها عن الاستمرار في التوجه نحو علاقات استراتيجية مع الروس.. كل هذا القول محتمل لكن غير المحتمل أن تقابل أعمال العنف الاجرامي في تركيا بهذا الحجم من البرود الأمريكي والأوربي جملة.
إن ضرب الاقتصاد التركي في السياحة التجارية يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك قوى إقليمية تستهدف ذلك بالذات، كما أن تركيا التي حاولت استرداد الإرث العثماني تعاني الأن من اضطراب في علاقتها الاقليمية، بعد أن تركت الاقليم عرضة للهجمات والتدخلات الأجنبية بل ذهبت في لحظة حسابات خادعة إلى التورط في اللعب مشتركة مع دول إقليمية، وتحت توجيهات غربية في استقرار سورية والعراق، الأمر الذي لا يزال يلقي بثقله على الشعب السوري الذي يعاني معاناة واسعة وعميقة.
أمام تركيا فرص عديدة للتخلص من السيناريو الأمريكي أولها على الإطلاق، فعلى الصعيد الخارجي فتح صفحة جديدة مع سورية والعمل لإنهاء أزمتها، لاسيما وتركيا من يمتلك الدور الأساس الفعال في الإقليم.. وداخليا ضرورة استعادة المصالحات مع جماعة جولن والأكراد بما يحقق الأمن والاستقرار.. مع قطع السبل على الجماعات المسلحة.
تركيا في عين الدوامة وخطورة تفسخها القومي والطائفي أمنيات غربية مستمرة وليس من متسع وقت أمامها.. تولانا الله برحمته.