تركيا.. ماذا بعد؟
فشل الانقلاب العسكري في تركيا بعد ساعات حرجة حبس فيها الإقليم أنفاسه في انتظار انكشاف الواقع.. وبالتأكيد هناك مواقف متناقضة تجاه ما حصل، كما أن هناك تحليلات متناقضة أيضا. وفي خضم هذا جميعه، لابدّ من التمسك بمعايير الفهم والتحليل والموقف السليم لكيلا نكيل بمكيالين ونفقد فرصة نعمة البصيرة والشهادة بحق.
فشل الانقلاب واتخذ الرئيس التركي إجراءات سريعة تشمل عزل 2725 قاض واعتقال آلاف الجنود والضباط، ويتصاعد الموقف تجاه عبد الله جولن المعارض التركي المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية واتهامه بالوقوف خلف الانقلاب والمطالبة بتسليمه، إلى درجة الإعلان عن اختلاف في كيفية إدارة الأزمة مع الحكومة الأمريكية.
بغض النظر عن كل التفسيرات، لابد من تثبيت مبدإ، وهو أن الانقلاب على وضع دستوري وشرعي في غفلة من الناس وتثبيت أمر واقع، إنما هو عدوان بائن على حق الشعب في اختيار حكامه ولا يقابَل من ضمير الناس ووعيهم إلا بالرفض.. ومن المعلوم أن الأتراك مارسوا الانتخابات بتمرّس وفهم وإدراك أن للصوت قيمة وأن الصوت الانتخابي يقدم برامج ويُسقط مناهج.. من هنا، فإن الانقلاب ليس مقبولا مهما كانت دوافعه.. فالأمر أمر الشعب والحسم لا يكون إلا بفرز نتائج صناديق الانتخابات.
ويبدو أن أردوغان بعد فشل الانقلاب يجد نفسه أكثر تحررا نحو السير إلى ترتيبات داخلية تنسجم مع رؤيته إلى حد كبير. وهذا ما جعل الفرنسيين يحذرون من أن فشل الانقلاب لا يمنح أردوغان شيكا على بياض ليفعل ما يشاء، والموقف بصيغة أخرى أعلنه الروس بأنهم ينصحون أردوغان بعدم إجراء خطوات منافية للدستور عقب الانقلاب..
إن قوة أردوغان تستند في الأساس إلى وقوف قطاعات واسعة من الشعب معه، وأنه استند في مواجهة الانقلاب إلى الدستور وحفاظه على الديمقراطية.. فهل تتعزز الديمقراطية في تركيا بعدم التغول على مؤسساتها وبعدم إصدار قرارات وقوانين تضخم سلطة المركزية وبالنأي عن مطاردة الرأي الآخر والصحافة وحرية التعبير؟
هناك أكثر من احتمال لما يمكن أن تسير إليه الأمور في تركيا.. فهل يمنحه فشل الانقلاب فرصة التحلل من جملة مواقف سياسية سابقة كانت تكبل طموحه؟ هل تؤثر على بقاء عضويته في حلف الناتو؟ هل تؤثر على طبيعة توجهه بالمطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي؟ هل سيكون لها علاقة بطبيعة تنسيقه مع الاتحاد الروسي؟ إلى أي مدى يمكن أن تؤثر على واقع علاقاته مع الكيان الصهيوني؟ أي أثر سيكون لها على اشتباكاته في المنطقة في العراق وسورية؟ هذا على المستوى الخارجي، وماذا على المستوى الداخلي على صعيد الحريات والمؤسسات وتركيز السلطة؟ هذا كله ستحكم له أو عليه الأيام القادمة.
أصبح الانقلاب في خبر الماضي.. والمهم الآن، ما هي ارتداداته التي ستظهر في تصرفات الحكومة ومواقف الدولة التركية من جملة القضايا الداخلية والخارجية؟ تولانا الله برحمته.