ترند الاعتمار مع الصغار بين التدين والتفاخر
يبدو أن اصطحاب الأطفال إلى العمرة، لم يعد فقط رحلة روحية عائلية يتعلمون فيها قدسية الشعائر بعيدا عن الأنظار، فقد تحول إلى مادة بصرية توثق لتقديم استعراض رقمي يسلط الضوء على قدرات الأولياء الجبارة في الجمع بين العبادة والتربية، أو لإبراز مستوى معين من الرفاهية والنجاح الاجتماعي. هذا “الترند” يبين التحولات التي طرأت على التدين في العصر الرقمي، وكيف يتم تمرير ذلك إلى الأجيال القادمة.
التحول الرقمي، أعاد تشكيل العلاقة بين الفرد والشعائر، حيث أصبحت الكاميرا حاضرة في كل لحظة من أداء العمرة أو الحج، من الإحرام إلى الطواف إلى السعي… ويصبح الجهد المبذول في ذلك مضاعفا إذا ما تم إنفاقه على توثيق خطوات طفل صغير يؤدي تلك المناسك، ربما لأول مرة، بالإضافة إلى ما يتم إحداثه في الصفوف من ازدحام أو إزعاج بسبب التصوير في أماكن مزدحمة أصلا.
استعراض المثالية الزائفة
مع تصاعد حمى توثيق ونشر المحتوى اليومي على منصات التواصل الاجتماعي، مثل Instagram وTikTok، يسهر الجميع على إعطاء صورة مثالية مميزة عن نفسه وأسرته، من جميع الجوانب، بما في ذلك الجانب الديني، وقد أشارت دراسات حديثة في علم الاجتماع الرقمي إلى أن الأفراد أصبحوا يميلون إلى تأطير حياتهم، ضمن سردية مرئية قابلة للمشاركة، وهو ما يعرف بـ”تسليع التجربة” (Commodification of Experience) بغض النظر عن آثارها على المجتمع. وهذا، بحسب الأستاذة مريم بركان، أخصائية نفسية واجتماعية: “ما جعل العمرة تتحول من تجربة داخلية إلى حدث اجتماعي قابل للعرض، يقيم لدى البعض بعدد المشاهدات والتفاعلات، ووجود الأطفال في هذه الفيديوهات يخدم عدة رسائل ضمنية، أهمها إبراز القدرة على التحمل… فتصوير طفل صغير يؤدي المناسك يعطي انطباعا بقوة الأسرة وتنظيمها، ويعزز المثالية التي يسعى إلى إبرازها المؤثرون الناشطون عبر المواقع، حيث يتم أيضا تقديم الطفل كدليل على التربية الصالحة والالتزام المبكر”.
التفاخر وإظهار الرفاهية
هكذا تضيع مساعي التقرب من الله
لا يقتصر المحتوى الذي يتسارع المؤثرون إلى نشره على المواقع في مواسم العمرة والحج، على توثيق المناسك، بل يمتد ليشمل تفاصيل السفر، بما في ذلك الفنادق الفاخرة، الملابس المتناسقة، الهدايا، والتنقلات المريحة، وبوفيهات الأكل الشهي… وهنا يتحول الخطاب من ديني إلى استهلاكي، حيث تعرض العمرة كجزء من نمط حياة راق، نتيجة لعمل جاد ومال وفير وحياة اجتماعية رخوة، ومع أن ظاهرة التداخل بين الدين والاستهلاك هذه ليست جديدة على البشرية، إلا أنه يتم تضخيمها في عصر المنصات الرقمية، وإعطاؤها أبعادا يعتبرها البعض غير إنسانية، عندما يتم توظيف الأطفال. فمن الناحية الفقهية، يذهب غالبية العلماء إلى أن العمرة لا تبطل بتصويرها، لكن الإشكال يكمن في النية والسلوك، الذي يتبع الشعائر المقدسة. فالإفراط في التصوير، ومحاولة ضبط طفل صغير على إيقاعات الترند وتقويم سلوكه بما يتوافق مع الصورة المثالية، قد يؤدي إلى تشتيت الخشوع، وفقدان التركيز على الذكر والدعاء، فتتحول العبادة إلى أداء، عندما يصبح الهدف هو الظهور بدل الإخلاص في التقرب إلى الله.
لا يخفى على أحد اليوم أن الخوارزميات أصبحت تميل إلى المحتوى الجذاب بصريا، وهو ما يستغله مؤثرون، ممن اختاروا استخدام أبنائهم كوسيلة لإنتاج محتوى عاطفي يجذب المتابعين، حتى وإن كان على حساب العمق الروحي لأداء مناسك العمرة، ومع أن الأمر قد يكون تجربة تربوية قيمة، إلا أن منظمات مثل UNICEF لا تزال في كل مرة تدعو إلى ضرورة حماية خصوصية الأطفال وعدم استغلالهم في محتوى قد يسبب لهم إرهاقا نفسيا أو جسديا، أو يرفضونه مستقبلا.