“ترومبوتين” لهدم ردم يأجوج ومأجوج
بوتيرةٍ عالية متسارعة، وفي بحر ستة أيام، وقّع ترومب على أكثر من قرار متماهٍ في الظاهر مع وعوده الانتخابية، وكأنه في عجالة من أمره، يريد أن يستبق حدثا ما، أو يصعق خصومه حتى لا يمنحهم فرصة التعطيل كما يزعم أنصارُه، حيث لم ينقض أسبوع حتى كان قد أجهز على أهمِّ انجاز لسلفه أوباما في عهدتين، فألغى “الأوباما كار” ووقع على مرسوم بناء جدار الفصل العنصري مع المكسيك، وأخرج الولايات المتحدة من معاهدة التبادل الحرTPP ، وجمَّد التوظيف في المناصب الفدرالية باستثناء الوظائف العسكرية، والتقى بأرباب المال والأعمال فوعدهم بتخفيضات ضريبية تتجاوز 75% ومنح الضوء الأخضر لاستئناف حفر آبار النفط الصخري، وبناء خطوط أنابيب عملاقة كانت محلّ جدل.
كثيرٌ من هذه القرارات اتِّخذت بمراسيم، وتحتاج إلى موافقة الكونغرس، لكن ترومب يكون قد كسب مسبَّقا تأييد الأغلبية من الجمهوريين، وضمن ترحاب أرباب المال والأعمال في الاقتصاد الحقيقي كما في أسواق المضاربة بـ”وول ستريت” التي تجاوبت مع قراراته بتحقيق قفزة خارقة هي الأهم منذ قرن ـ يقول الخبراءـ نقلت مؤشر دوون جونس فوق سقف الـ20000 نقطة لأول مرة، وبذلك يكون ترومب قد فضح مسرحية المصفوفة التي اجتهدت بمهارة في تسويقه كـ”مهدي” الغلابة المنتظر، الذي سوف يقضي على “جور” الأوليغارشية، ويملأ أرض الولايات المتحدة عدلا يحث على فقرائها المال حثا، حتى إن أحد أكبر المضاربين: اليهودي “سوروس” كان قد توعَّده كذبا بمفاجأة إدارته بضربة قاضية في بورصة “وول ستريت” فإذا بالعصابة الربوية تلتفُّ وهي على قلب رجل واحد حول بطلها الخارق ترومب، الذي مهَّد لها الأرض في ستة أيام، وقد لا يسبت حتى ينفخ فيها من روحه الخارقة.
معظم هذه الإجراءات هي بالضرورة عابرة للحدود الأمريكية، بآثار مباشرة على الاقتصاد العالمي، وتحديدا على الصين وأوروبا، وابتداء على الدول النفطية التي سوف تفقد مجددا إدارة أسعار النفط، كما سيكون لها تداعياتٌ خطيرة على الواقع العربي بما يعِد به ترومب من حربٍ بلا حدود على ما أسماه بـ”التطرف الإسلامي” وليس فقط على الإرهاب. ولمن فاته العرض فإن ترومب يريد وضع جماعة “الإخوان المسلمين” على لائحة التنظيمات الإرهابية، كما جدَّد الدعم المالي والعسكري لنظام السيسي، ليعود بالولايات المتحدة إلى تحالفاتها القديمة مع الأنظمة الفاشية كشريكٍ موثوق به في الحرب القادمة التي يريدها ـ مع رفيقه ومثله الأعلى بوتن ـ أن تنتقل بسرعة من حربٍ على “الإرهاب الإسلامي” إلى حرب مفتوحة على “التطرُّف الإسلامي” ولو بإعادة احتلال الأرض وباطن الأرض.
ولأن كثيرا من الدول العربية النفطية وعلى رأسها دول الخليج متهمة عند الثنائي الخارق “ترومبوتين” برعاية “التطرف الإسلامي” فقد حق لقادتها وشعوبها أن يتوقفوا بعناية عند هذا التصريح الخطير لترومب في قناةٍ أمريكية شرح فيه كيف “أن الولايات المتحدة قد صنعت داعش حين لم تبادر إلى احتلال آبار النفط بعد غزو العراق” في مقدِّمة صريحة لمشروع احتلال قادم لجزيرة العرب بدعوى حرمان “التطرف الإسلامي” من مصادر التمويل.