-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تشخيص “التوحّد” في السلطة والدولة

حبيب راشدين
  • 2585
  • 0
تشخيص “التوحّد” في السلطة والدولة

ليست السلطة الفلسطينية هي السلطة العربية الوحيدة التي ليس لها دولة، فقد كشف الربيع العربي أن شعوبنا كانت في عهدة سلط ورثت جغرافية بشرية عن تقسيمات “سايكس بيكو” وحركة تصفية الاستعمار، فاجتهدت بأدوات فرض الأمر الواقع لمنع قيام الدولة، وحيث وجد كيان جنيني للدولة سارعت “سلطة الأمر الواقع” إلى تنفيذ ما يشبه عملية “الإحلال” عند الصوفية، لتصبح السلطة هي الدولة، والدولة هي السلطة، كما كان يقول لويس الرابع عشر.

وحين رفع شعارالشعب يريد إسقاط النظاملم تكن الشعوب تعي أن إسقاط النظم بترحيل من بيده السلطة، سيترتب عنه بالضرورة إسقاط الدول، وأن التعويل على المسارات الانتخابية لن يفي سوى بغرض واحد، هو استبدال سلطة بسلطة غير معنية ببناء الدولة، لأن الديمقراطية هيأفضل الممكنلتحقيق التداول على السلطة، متى سبقها إجماعٌ وطني على بناء دولة المؤسسات المالكة لـالسلطات الملكيةالمؤهَّلة لخدمة النخب المتداولة عليها بالقانون والقانون وحده.

 ومنذ بداية التعددية في الجزائر لم تتقدم النُّخب السياسية على الضفتين بمبادرة واحدة تطرح بجدية مشروعا توافقيا لبناء إجماع وطني على المؤسسات التي تضمن استمرار بُنية الدولة وخدماتها كيفما كانت مسارات صناعة السلطة، وتكون محمية بالدستور والقانون من تغوّل الحكومات الذي ليس هو حكرا على نظم الاستبداد.  

وقد يشفع للنخب السياسية، أن دستور 89 قد قفز على هذا الاستحقاق، وحرق المراحل، بتدبير توليد تعددية سياسية من الفراغ، شُغلت بالتقاتل على الحكم في دولة غير مكتملة البناء، كان قد دمغها الفكر الواحد في العمق، وتوغلت فيها مكوناتسلطة الأمر الواقعالناشئة بعد الاستقلال، لتصنعالدولة العميقةالتي لا يغيّر طبيعتَها لا انقلابٌ من الداخل، ولا مشاغبة بالشارع تسوّق بمفردات الثورة، ولا مسارات انتخابية تدعي التغيير السلمي.

إصرار جانب من المعارضة اليوم على تسويق أسطورة إحداث التغيير بترحيل الرئيس بتفعيل المادة 88 من الدستور، وهي لا تملك أدوات تفعيلها، لا يختلف عن أسطورة إحداث التغيير بمسارات دستور 89 حتى حين تسلم من العبث والتزوير، لأن رحيل الرئيس بعد أو قبل نهاية العهدة، لن يغيّر مثقال ذرة من الاستحقاقات الواجبة على النخب الوطنية، في إنتاج توافق يفضي إلى إجماع وطني على طبيعة ومكوّنات الدولة، والتي ينبغي أن نحرص على تأمينها مستقبلا من عمليةإحلال السلطةوحصول ما يشبهالتوحّدبين السلطة والدولة، المنتِج بالضرورة للاستبداد في نظم الحزب الواحد كما في التعددية.

منطقُ الأشياء يملي علينا الاقتناع بأنّ رحيل الرئيس اليوم أو غداً، لن يفضي إلى رحيلمركب القوةالذي تشكّل حول فريق الرئيس في ثلاث عشرة سنة من الحكم، ولن يسمح بتفكيك ميسّر لمكوّناتسلطة الأمر الواقعالمتجذرة في الدولة العميقة، أو يفتح المجال أمام إصلاح ما أفسدهتحللالأدوار والمهام الملكية للدولة، وامتزاجها بمهام وحاجات السلطة، حتى أن المواطن لم يعد يميز ـ مثله مثل السلطة ـ بين ما هو من نصيب الدولة، وما هو من فعل السلطة، فيحاسب الدولة ويشاغبها على أفعال هي من صنعحلولالسلطة في الدولة وإفسادها من الداخل.

ملاحظة:

نُشر من قبل

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • أوسمعال سي براهيم

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، تشخيصك لواقعنا الاجتماعي السياسي فيه مراجعة فكرية متطورة تسمح بتدقيق الفهم حول قوة تفاعل مركباته في ظروف الزمن والمكان لكن هدا لا يكفي لفهم دافعية القوة ومرتكزاتها الفكرية التي تعد جوهر الحركة ومقصدها الفعلي والاساسي والدي عليه نبني موقفنا في التأسيس والتوجية والادارة حسب قناعتنا ،وهدا المجال الحيوي بالنسبة لمستقبل الأمة حطم بالتهميش والإقصاء، وتركت عرضة لأفكار دخيلة تعشش في أدمغة كبيرنا وصغيرنا وقلوببهم وبطوننهم تستنزف قواهم في مسعى تحطيم كيانهم المعنوي وال

  • الدكتور/غضبان مبروك

    وكلاهما يعيش على "السحت" وكلاهما يعمل على الاضرار بالآخر واستفزازه وانتهاك حقوقه وحرياته.فما يفعله المجرمون من فساد مالي وتسييري ،مثلا،في الجزائر يدخل ضمن هذا التعدي على مشاعر الامة المرتبطة ب"الدولة العميقة"في التخلف والنهب ولاعتداء على شعبها بدلا من حمايته. ان الملايير التي تنهب يوميا في الجزائرهي ملاييري انا وانت وهو وليست ملايير الفئة المجرمة.نرجوا من الرجال الواقفون والمخلصون في جهاز القضاء ان يقيضهم الله ويبارك لهم ويوفقهم في عملهم.والله غالب على امره ولو كره المجرمون

  • الدكتور/غضبان مبروك

    ان ظاهرة التماهي بين السلطة والدولة ظاهرة قديمة وسابقة للويس الرابع عشر ة ولكن الدول الغربية المعاصرة عالجت الامر بالعقلانية والحكمة ثم رمت بالتركة الى باقي الشعوب والقادة(القياد) لا سيما في الدول العربية التي عجزت فيها النخبة عن تشيخيص الداء وتوصيف الدواء والنتيجة هو هذا التماهي والخلط المتعمد والذي يعبر من جهة عن سطحية الفهم ومن جهة ثانية خيانة للأمانة وخيانة للأمة من طرف نخبة انتهازية ومنافقة لمن يمنحها الامتياز

  • محمد كردادا بوسعادة

    صح النوم
    النوم صح

  • فارس

    سيكتب التاريخ في فصوله
    عن أُمّة معصوبة مغلوبة
    عن حاكم مُخلّد في حكمه
    وحوله جماعة تفنّنت
    في نهبكم أموالكم...!
    ومن تُرى أوحى لها فباركت
    أوحالها كشيخة مُعنّسة
    ومن تُرى أوصى لها فمُزّقت
    أوصالها بالطعنة المُقوّسة
    دستوركم يا سادتي مُفصّل
    كما يُريد الحاكم ملابسه
    يزيد في أكمامه...في طوله
    يُفصّل فصوله مُقايسة
    إن حاكم لم يأتي باختياركم
    لم يرتحل إن ساورته الوسوسة
    وظل في مكانه لم يستح
    والانتخاب يا صديقي مهزلة
    أترتجي الإرادة المُدلّسة؟!
    من أُمّة تُزوّر أقدارها
    وتُطفأ أنوارها المُقدّسة